facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عن التنافسية لا الرقمنة: إعادة تعريف النجاح التقني للشركات الصغيرة


د. رائد عودة
17-08-2026 10:22 AM

عند الحديث عن التكنولوجيا في الشركات الصغيرة، قد يكون من الأجدى أن نبدأ من التنافسية لا من الرقمنة، فالمطلوب ليس أن تصبح هذه الشركات أكثر "رقمنة" ولا أن تستخدم عددًا أكبر من الأنظمة أو التطبيقات، بل أن تصبح أكثر قدرة على المنافسة، والتكنولوجيا تكون ذات قيمة بقدر ما تساعد الشركة على خفض التكلفة ورفع الإنتاجية وتحسين الجودة والوصول إلى عملاء جُدد والاستجابة للسّوق بصورة أسرع واتِّخاذ قرارات أفضل.

ومن هذه الزاوية، يُصبح التَّحوُّل الرَّقمي وسيلة ضمن خيارات عديدة لتحسين أداء الشركة، لا مؤشر نجاح قائمًا بذاته.

وهذا التمييز مهم لأنَّ اقتصاديات القرار التِّقني في الشركة الصغيرة تختلف كثيرًا عنها في الشركة الكبيرة، فالشركة الكبيرة تستطيع أن توظِّف فريقًا تقنيًّا مُتخصِّصًا وتطلب استشارات وتختبر عدة حلول وتغير المورد، بل وتتحمَّل مشروعًا لم ينجح كما كان متوقعا.

أمَّا الشركة الصغيرة، فقد يكون قرار واحد خاطئ في اختيار نظام أو مورد كافيًا لاستهلاك جزء كبير من ميزانيتها ووقت إدارتها، ورُبَّما يجعلها أكثر تردُّدًا في الاستثمار التقني لسنوات لاحقة. ولهذا فإنَّ القضية ليست فقط في إتاحة التكنولوجيا، بل في قدرة الشركة على اتخاذ قرار جيد بشأنها وتحمل تبعات ذلك القرار.

وهنا يظهر فرق مهم بين الوصول إلى التكنولوجيا والجاهزية للاستفادة منها، فهناك اليوم أشكال مُتعدِّدة من التَّمويل والدَّعم والحوافز التي قد تُتيح لشركة صغيرة الحصول على نظام مُتقدِّم مثل ERP أو CRM بتكلفة معقولة جدًّا، وأحيانًا بتكلفة تكاد تكون رمزية، ومن السهل عندها أن يشعر صاحب الشركة، والجهة الداعمة أيضًا، بأنَّ خطوة كبيرة قد تحقَّقت: تمَّ شراء النِّظام وتمَّ التَّدريب عليه وأصبحت الشركة أكثر "رقمنة"، لكنَّ امتلاك النِّظام لا يعني بالضرورة أنَّ الشركة أصبحت أكثر قدرة على المنافسة، ما لم يترجم إلى تحسنٍ فعلي في أدائها.

فقد تكون عمليات الشركة نفسها غير موثَّقة، والمسؤوليات مُتداخلة، والبيانات غير مُنظَّمة، وكل مُوظَّف يُنفِّذ بعض الأعمال بطريقة مختلفة، عندها يصبح الحصول على التُّكنولوجيا هو الجزء الأسهل، بينما تبدأ سلسلة من التَّكاليف التي لم تكن ظاهرة عند قرار الشراء: توثيق العمليات وإعادة تصميم بعضها، وتوحيد طرق العمل، وتنظيف البيانات، وتحديد المسؤوليات، وربط الأنظمة، وأحيانًا تعديل أجزاء من نموذج التَّشغيل نفسه.

وقد يكون النِّظام الجديد مجانيًّا تقريبًا، بينما يكون التَّحوُّل المؤسَّسي اللازم للاستفادة منه مُكلفًا جدًّا، فسهولة شراء النظام لا تعني أنَّ المؤسَّسة أصبحت جاهزة له، ولا تعني أنَّ تكلفة التَّحوُّل انتهت عند لحظة الشراء.

ومن هنا، أعتقد أنَّ سياسات دعم الشركات الصغيرة يجب ألَّا تُركِّز على تمويل شراء التكنولوجيا بقدر ما تُركِّز على مساعدة الشركة في اختيار التكنولوجيا التي تُلبّي حاجة فعليّة أو تُعالج تحدّيًّا حقيقيًّا في أعمالها، وتقليل مخاطر تبنيها. وقد يشمل ذلك تقييما تقنيا مستقلا قبل الشراء، وتجربة الحل على نطاق محدود قبل الالتزام به، وتوفير خبرات تنفيذية مشتركة لا تستطيع كل شركة صغيرة توظيفها بمفردها. كما ينبغي أن تكون سهولة تعديل الحل أو تغييره أو الخروج منه جزءا من التقييم منذ البداية. فقد يكون شراء النظام رخيصا، لكن الانتقال منه بعد سنوات من ربط البيانات والإجراءات والتدريب به مكلفًا للغاية.

وهذا يفتح مجالا مهمًا لتطوير برامج دعم الشركات الصغيرة نفسها. فإتاحة التمويل والوصول إلى الحلول التقنية تمثل خطوة أساسية، ويمكن تعزيز أثرها عندما تقترن منذ البداية بتحديد المشكلة التي يفترض أن تعالجها التكنولوجيا والنتيجة التي نريد تحقيقها منها، فنجاح الاستثمار قد يظهر في خفض الهدر، أو تحسين دقة المخزون، أو تسريع التحصيل، أو تقليص زمن تنفيذ الطلبات، أو الوصول إلى عملاء وأسواق جديدة، أو تحسين قدرة الإدارة على اتخاذ القرار. وكلما استطعنا ربط الدعم بهذه النتائج، أصبح الاستثمار في التكنولوجيا أكثر ارتباطا بالهدف الأوسع: رفع القدرة التنافسية للشركة.

ولهذا أيضا، لا يجب أن تكون نقطة البداية دائما الذكاء الاصطناعي أو الأتمتة المتقدمة. فبالنسبة لكثير من الشركات، قد تكون القيمة الأكبر في أشياء تبدو أقل "جاذبية": تنظيم البيانات، وضبط المخزون، وتحسين التحصيل، وإدارة علاقات العملاء بصورة أفضل، وربط المبيعات بالعمليات، أو التخلص من خطوة يدوية تتسبب في الأخطاء والتأخير. وقد تضيف أداة بسيطة تعالج حاجة واضحة قيمة أكبر للشركة من نظام متقدم يفوق جاهزيتها وقدرتها على الاستفادة منه.

وهذا لا يعني التقليل من أهمية التقنيات المتقدمة للشركات الصغيرة، بل على العكس، يمكن للذَّكاء الاصطناعي والأتمتة والمنصات الرقمية أن تمنح شركة صغيرة قدرات كان الحصول عليها قبل سنوات يحتاج إلى موارد كبيرة، وقد تسمح لها بمنافسة شركات أكبر منها بكثير. لكنَّ السؤال يجب أن يظل مرتبطا بالميزة التي نريد خلقها: ما المشكلة التي تمنع الشركة اليوم من النمو أو المنافسة؟ وهل تعالجها التكنولوجيا فعلا؟ وهل المؤسسة قادرة على استيعاب الحل وتشغيله والمحافظة عليه؟ فالاختيار الجيد لا يبدأ باسم التقنية، بل بالمشكلة الاقتصادية أو التشغيلية التي نريد حلها.

ختامًا، تظهر قيمة التكنولوجيا في الشركة الصغيرة عندما تتوقف عن كونها مشروعا قائما بذاته، وتصبح جزءا طبيعيا من طريقة أفضل للعمل والنمو واتخاذ القرار. وعندها فقط يصبح الاستثمار التقني وسيلة لبناء شركة أقوى وأكثر تنافسية، لا إنجازا يُحتفى به لمجرد أنه حدث.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :