العشيرة…من الترابط الاجتماعي إلى ثقافة الاختيار
د. ليال عيسوه
19-08-2026 11:10 AM
تُمثِّل العشيرة في المجتمع الأردني مكوّناً اجتماعياً أساسياً، أسهم عبر مراحل مختلفة في تعزيز قيم التعاون والتكافل وترسيخ العلاقات بين أفراد المجتمع. وهي ليست مجرد إطار اجتماعي، بل مساحة تشكلت فيها روابط الثقة والتواصل، مما يجعل الحديث عن دورها مرتبطاً بفهم مكانتها وكيفية تطوير إسهامها في خدمة المجتمع.
غير أن أهمية أي مكوّن اجتماعي لا تُقاس فقط بحضوره واستمراره، بل بقدرته على مواكبة التحولات والمشاركة في تطوير المجتمع والاستفادة من إمكاناته. فالمكونات الاجتماعية تصبح أكثر تأثيراً عندما تتحول من مجرد روابط تجمع الأفراد إلى بيئات تشجع التعلم، وتدعم المبادرة، وتقدر الخبرة والقدرة على المشاركة الفاعلة.
ومن هذا المنطلق، يمكن للعشيرة أن تؤدي دوراً يتجاوز تعزيز العلاقات الاجتماعية إلى ترسيخ ثقافة تقوم على تقدير الكفاءة والخبرة وحسن الاختيار. فمكانة الفرد لا ترتبط فقط بموقعه داخل بيئته الاجتماعية، وإنما بما يمتلكه من معرفة وتجربة ورؤية وقدرة على التعامل مع القضايا التي تهم مجتمعه والمشاركة في معالجتها.
وهنا يمكن للروابط الاجتماعية والديمقراطية أن تتكاملا، لا أن تتعارضا. فالديمقراطية لا تقتصر على إتاحة الاختيار، بل ترتبط أيضاً بمدى جودة هذا الاختيار وما يترتب عليه من نتائج.
وكلما استند الاختيار إلى الكفاءة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية، ازدادت فرص أن تفرز المشاركة أشخاصاً أكثر قدرة على أداء أدوارهم بفاعلية والاستجابة لاحتياجات مجتمعاتهم.
ومن هنا تبرز أهمية ثقافة الاختيار؛ فالثقة التي يمنحها المجتمع لأي شخص تكتسب قيمتها عندما تستند إلى معايير واضحة، تجمع بين المعرفة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية. فالحضور الاجتماعي يمثل عاملاً مهماً، لكنه يصبح أكثر تأثيراً عندما يقترن بالقدرة على الإنجاز وفهم متطلبات الدور.
ولهذا فإن النظر إلى الأشخاص الذين يتولون أدواراً عامة أو مجتمعية ينبغي ألا يقتصر على سؤال: من هو الشخص؟ أو ما البيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها؟ بل يمتد إلى أسئلة أكثر أهمية: ما خبرته؟ ما رؤيته؟ وما الذي يستطيع أن يقدمه لمجتمعه؟
إن تطوير دور العشيرة لا يعني تجاوز خصوصية المجتمع أو إضعاف روابطه، بل يعني توجيه هذه الروابط نحو ما يعزز جودة الاختيار. فعندما تشجع أبناءها على التعلم، وتقدر الخبرة، وتفتح المجال أمام أصحاب الكفاءة للمشاركة، فإنها تسهم في تكوين ثقافة اجتماعية تجعل الانتماء منطلقاً للمشاركة، والاختيار قائماً على ما يستطيع الشخص تقديمه.
فالمجتمعات لا تتطور بالتخلي عن مكوناتها، وإنما بتطوير أدوارها بما ينسجم مع متطلبات المستقبل.
والعشيرة، بما تمثله من حضور اجتماعي وعلاقات ثقة، تستطيع أن تكون جزءاً من هذا التطور عندما تشجع المعرفة، وتقدر الكفاءة، وتدعم المشاركة الواعية في الشأن العام.
وفي النهاية، لا تحتاج الديمقراطية إلى أن تقف في مواجهة الروابط الاجتماعية، كما لا تحتاج الروابط الاجتماعية إلى أن تتراجع أمام الديمقراطية. الأهم أن يلتقيا عند نقطة واحدة: أن يكون الاختيار مساحة لاجتماع الثقة مع الكفاءة، والانتماء مع القدرة، والمشاركة مع المسؤولية.