facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




‎الديمقراطية والانتماء: حين لا يكفي أن يكون لنا صوت


د. ليال عيسوه
22-08-2026 09:32 AM

‎الديمقراطية تمنح المواطن حق التعبير والمشاركة، لكن ممارسة هذا الحق لا تعني بالضرورة حضورًا فاعلًا في الحياة العامة، فالمشاركة لا تتعلق فقط بالمطالبة بالحقوق، وإنما أيضًا بالعلاقة التي تربط المواطن بالمجتمع الذي يريد أن يؤثر في مستقبله.

ومن هنا، لا يظهر الانتماء في الشعور وحده، بل في الاهتمام بالقضايا العامة، وفهمها، والاستعداد للإسهام فيها وتحمل جزء من المسؤولية تجاهها.

‎ولا يعني الانتماء الاتفاق مع كل ما يحدث، أو التخلي عن النقد والاعتراض.

فمن حق المواطن أن ينتقد السياسات والقرارات، وأن يطالب بتغيير ما يراه غير مناسب.

بل إن النقد يكون أكثر قيمة عندما ينطلق من اهتمام حقيقي بالشأن العام.

لكن الاعتراض يفقد جزءًا من أثره عندما يتحول إلى موقف دائم، وتصبح المسؤولية في كل مرة على عاتق الآخرين، وكأن دور المواطن ينتهي عند تحديد ما يحتاج إلى إصلاح.

‎ومن هنا، تتجاوز المشاركة حدود المطالبة. فمن يطالب بخدمات أفضل، وتمثيل أقوى، ومؤسسات أكثر كفاءة، يمارس حقًا مشروعًا؛ لكن الحياة العامة تحتاج أيضًا إلى من يضيف إليها معرفة أو خبرة أو مبادرة.

وليس المطلوب من المواطن أن يعالج القضايا الكبرى، وإنما أن يسهم بما يستطيع من موقعه، بدل أن تبقى علاقته بالشأن العام قائمة على انتظار الحلول من الآخرين.

‎وتتضح أهمية ذلك عند الحديث عن التمثيل الشعبي، فالتمثيل لا يقوم فقط على القدرة على الحديث عن قضايا الناس، بل يحتاج إلى معرفة بها، وفهم لتحدياتها، وارتباط بالواقع الذي يُراد التعبير عنه. لذلك، تزداد قيمة التمثيل عندما تستند إلى تجربة ومعرفة ومشاركة سابقة، لا إلى الرغبة في الوصول إلى موقع عام فحسب.

‎لكن هذا لا يعني أن الإسهام في المجتمع شرط لممارسة الحقوق السياسية. فالحق في التعبير والترشح والمشاركة لا يُمنح مكافأةً على النشاط العام، والانتماء ليس معيارًا لتقييد هذه الحقوق.

كما أن الإسهام في المجتمع لا يأخذ صورة واحدة؛ فقد يكون مهنيًا أو معرفيًا أو تطوعيًا أو محليًا، وقد يتم بعيدًا عن الإعلام. لذلك، لا يتعلق الأمر بتصنيف الناس وفق درجة انتمائهم، بل بترسيخ ثقافة ترى في المشاركة حقًا لا ينفصل عن المسؤولية.

‎وعند هذه النقطة، يصبح التمثيل امتدادًا للعلاقة بالمجتمع، لا غاية منفصلة عنها، فالانتخابات تمنح الشخص فرصة الوصول إلى موقع عام، لكنها لا تمنحه تلقائيًا معرفة بأولويات الناس أو قدرة على التعبير عنها. هذه أمور تُكتسب بالممارسة، ثم تُختبر من خلال الأداء وتحمل المسؤولية.

‎وهذا ما يجعل الديمقراطية أوسع من لحظة انتخابية. فهي علاقة مستمرة بالشأن العام، تقوم على الاختلاف والمساءلة والمبادرة، وعلى قدرة المواطنين والمؤسسات معًا على التأثير في القضايا التي تمس المجتمع، فالمؤسسات تتحمل مسؤولياتها، لكن الحياة العامة لا يمكن أن تُبنى من المؤسسات وحدها؛ إذ تحتاج أيضًا إلى مواطنين يرون أنفسهم شركاء فيها، لا مجرد متلقين لنتائجها.

‎لذلك، ليست المشكلة في أن ننتقد أو نعترض أو نطالب؛ فهذه كلها ممارسات ديمقراطية مشروعة. المهم هو ما يأتي بعد ذلك: هل يبقى النقد عند حدود الموقف، أم يتحول إلى معرفة ومشاركة وإسهام؟ فالمطالبة بحقوقنا تصبح أكثر أثرًا عندما نرى أنفسنا جزءًا من الشأن العام الذي نطالب بإصلاحه، لا مجرد مراقبين له.

‎الانتماء ليس أن نتوقف عن الاعتراض، ولا أن نرى مجتمعنا كاملًا بلا أخطاء. الانتماء أن نختلف ونحن جزء من هذا المجتمع، وأن نطالب بإصلاحه ونحن مستعدون للإسهام في إصلاحه.

عندها لا تكون الديمقراطية مجرد حق في أن يكون لنا صوت، بل ممارسة تجعل لهذا الصوت أثرًا حقيقيًا في حياة الناس.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :