facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من نهاية المسؤولية إلى استدامة الأثر


د. ليال عيسوه
26-08-2026 10:40 AM

حين تنتهي المسؤولية، يبدأ الاختبار الحقيقي لقيمة التجربة: هل تتحول إلى معرفة تخدم الدولة، أم إلى رواية لتبرير ما مضى؟

فالحديث بعد انتهاء المسؤولية ليس مشكلة بحد ذاته، كما أن الصمت ليس دائمًا دليلًا على الحكمة. المهم هو ما يقدمه المسؤول من قراءة لتجربته: هل ينقل ما تعلمه بموضوعية، أم ينشغل بإثبات صحة قرارات اتُّخذت في مرحلة سابقة؟ فهناك فرق بين مراجعة الماضي والاستفادة منه، وبين إعادة صياغته للدفاع عنه.

فالعمل العام أكثر تعقيدًا مما يظهر خارجه؛ إذ تُتخذ القرارات في ظروف محددة، وضمن خيارات متاحة، وأولويات متنافسة، وتحديات في التنفيذ.

ومن تولّى مسؤولية داخل مؤسسات الدولة يكتسب معرفة بتفاصيل لا تظهر دائمًا للرأي العام، وتصبح قيمة هذه المعرفة في قدرتها على تفسير التجربة واستخلاص ما يمكن البناء عليه.

وهنا يظهر الفرق بين نقل الخبرة وتبرير القرار. فنقل الخبرة يعني مراجعة ما جرى بموضوعية: ما الذي تحقق؟ أين ظهرت الصعوبات؟ وما الذي يمكن تحسينه؟ أما التبرير فيُبقي الحديث منشغلًا بإثبات صحة موقف سابق، بدل البحث عما يمكن التعلم منه.

فالقرار العام لا يمكن فصله عن الظروف والمعطيات التي أحاطت به وقت اتخاذه، لكن استحضار تلك الظروف لا يعني إعفاء القرار من المراجعة، كما أن المراجعة لا تعني إدانة من اتخذه. الغاية هي استخلاص الدروس التي تساعد على تحسين القرارات مستقبلًا.

ومن هنا تأتي أهمية الذاكرة المؤسسية. فالدولة لا تحتاج إلى حفظ القرارات والوثائق فقط، بل إلى توثيق مسار صنعها، والاعتبارات التي شكلتها، والنتائج التي ترتبت عليها، حتى تصبح الخبرة أساسًا يمكن البناء عليه في مراحل لاحقة.

كما أن الاستفادة من الخبرة تبدأ قبل انتهاء المسؤولية، فالمؤسسة التي تتيح النقاش المهني، وتستمع إلى الرأي المختلف، وتقبل التحفظ المسؤول والتنبيه إلى المخاطر، تمنح القرار فرصة لأن يكون أكثر دقة قبل اعتماده، بدل انتظار المراجعة بعد فوات وقت التأثير.

إن الدولة التي تتعلم من قراراتها لا تبدأ من الصفر في كل مرحلة، بل تبني قراراتها الجديدة على ما سبقها من معرفة. وهنا تتحول الخبرة من حدث مضى إلى أساس يساعد على تحسين ما يأتي.

لذلك، فإن قيمة المسؤول بعد انتهاء مسؤوليته لا تُقاس بقدر ما يستطيع أن يروي عن المرحلة، بل بقدر ما يستطيع أن يحوّل ما تعلمه إلى معرفة موضوعية تفيد المؤسسة ومن يأتي بعده.

فالمسؤولية أثناء العمل مسؤولية قرار، وبعد انتهائها مسؤولية أثر؛ وأفضل ما يتركه المسؤول ليس دفاعًا عن الماضي، بل درسًا يساعد الدولة على صناعة مستقبل أفضل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :