ثلاثية التحديث .. الخبرة والواقع والقرار
د. ليال عيسوه
27-08-2026 09:31 AM
لا يكتمل التحديث بتطوير التشريعات والهياكل وحدها، بل يتطلب تطويرًا في منهجية فهم الواقع، وتقييم البدائل، وصناعة القرار.
ومن هنا تبرز العلاقة بين الخبير والمواطن وصاحب القرار باعتبارها ثلاثية متكاملة، تتقاطع فيها المعرفة المتخصصة مع التجربة المجتمعية وسلامة الاختيار، وصولًا إلى سياسات أكثر دقة ونتائج أكثر أثرًا.
فالخبرة ليست لقبًا يكتسبه الإنسان بحكم منصبه، ولا نتيجة تلقائية لسنوات العمل. التجربة المهنية رصيد مهم، لكنها لا تكفي وحدها؛ إذ تقوم الخبرة على التخصص والتأهيل والمعرفة المتراكمة والقدرة على التحليل وفهم السياق وتقديم بدائل قابلة للتطبيق. ولذلك، فإن وضوح معايير اختيار الخبرات يعزز الثقة بها، ويضمن توظيفها وفق الكفاءة والحاجة.
وفي المقابل، يمتلك المواطن معرفة مصدرها الحياة اليومية؛ فهو الأقدر على وصف أثر السياسات والخدمات وتحديد الأولويات التي قد لا تظهر كاملة في البيانات والتقارير.
وهذه المعرفة لا تمنحه بالضرورة صفة الخبير، كما أن التخصص لا يمنح صاحبه تلقائيًا حق التحدث باسم المجتمع. لكل منهما موقعه، وتتكامل الأدوار عندما تلتقي الخبرة التخصصية مع التجربة المجتمعية.
أما صاحب القرار، فدوره تحويل هذه المعطيات إلى خيارات واضحة. وليس مطلوبًا منه أن يكون متخصصًا في كل المجالات، وإنما أن يحسن قراءة الأدلة، ومقارنة البدائل، وتحديد الأولويات، واتخاذ القرار ضمن الأطر القانونية والمؤسسية.
فالخبير يقدم التحليل، والمواطن ينقل معرفة الواقع واحتياجاته، وصاحب القرار يحدد الاتجاه، والمؤسسة تحول القرار إلى ممارسة قابلة للاستمرار.
ومن هذا المنظور، تكتسب اللجان والاجتماعات والاستشارات قيمتها عندما ترتبط بغاية محددة، ومخرجات واضحة، ومسار لمتابعة النتائج. فالمشاركة لا تقاس باتساع دائرة الحضور، وإنما بما تضيفه إلى فهم القضية، وتطوير البدائل، وتحسين القرار.
وبهذا تنتقل عملية التشاور من مجرد تبادل للآراء إلى أداة فاعلة في صناعة السياسات.
وتحتاج هذه المنظومة إلى ممارسة أكثر تنظيمًا: معايير مهنية لاختيار الخبراء، وتحديد واضح للمهام والمخرجات، وربط التوصيات بمراحل صنع القرار، وتقييم نتائجها.
وبالتوازي، ينبغي أن تكون مشاركة المواطنين عبر قنوات مؤسسية تتيح نقل احتياجاتهم وتجاربهم بصورة منظمة، بما يجعلها جزءًا من تطوير السياسات وتقييمها.
وتنسجم هذه الرؤية مع النهج الذي يرسخه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في مسار التحديث، بما يقوم عليه من تطوير مؤسسات الدولة، وتعزيز المشاركة، وتحسين الأداء، وربط الإصلاح بالتنفيذ والنتائج التي تنعكس على حياة المواطنين.
وفي هذا السياق، يصبح الاستثمار في الكفاءات وتطوير آليات الاستفادة منها جزءًا من بناء دولة أكثر قدرة على التعلم والاستجابة والتطور.
وتبقى الاستدامة مرتبطة بقدرة المؤسسات على الاحتفاظ بما تنتجه هذه العملية من خبرات ومعارف.
فحين تُوثق التجارب، وتُنقل إلى الكوادر، وتتحول إلى منهجيات وأدوات قابلة للتطوير، لا تعود الخبرة مرتبطة بشخص أو مرحلة، بل تصبح جزءًا من الذاكرة المؤسسية، وتعزز قدرة الدولة على تراكم الخبرة والبناء على ما تحقق.
ويمتلك الأردن رصيدًا واسعًا من الكفاءات والتجارب الوطنية، والفرصة اليوم ليست في زيادة عدد الأسماء، بقدر ما هي في حسن توظيف هذا الرصيد وفق الأولويات الوطنية.
فكلما كان اختيار الخبرة أدق، وآليات المشاركة أكثر تنظيمًا، وصناعة القرار أكثر استنادًا إلى الأدلة، ازدادت قدرة المؤسسات على تحويل التحديث إلى نتائج ملموسة ومستدامة.
وهنا تكمن قيمة ثلاثية التحديث: خبير يقدّم معرفة قائمة على الكفاءة، ومواطن ينقل حقيقة الواقع واحتياجاته، وصاحب قرار يحوّل هذه المعطيات إلى خيارات مدروسة.
وعندما تتكامل هذه الأدوار داخل مؤسسات تحفظ المعرفة وتبني عليها، لا تبقى الخبرة جهدًا فرديًا، ولا المشاركة مجرد حضور، ولا التحديث مشروعًا مؤقتًا؛ بل تتحول إلى قدرة وطنية مستدامة، تجعل القرار أكثر دقة، والمؤسسات أكثر كفاءة، وتصبح نتائج التحديث أكثر حضورًا في حياة المواطن.