تحتاج الدول في كل مرحلة إلى أن ترى كفاءاتها الوطنية، وأن تعرف كيف تمنحها الثقة والمساحة التي تليق بقدرتها على حمل المسؤولية. فالأوطان لا تتقدم بالأسماء وحدها، وإنما بالعقول التي تفهم واقعها، والضمائر التي تصون مسؤوليتها، والشخصيات التي تمتلك شجاعة القرار والقدرة على تحويله إلى إنجاز.
وحين يُذكر وصفي التل، تحضر في الذاكرة الوطنية شخصية استثنائية تركت أثرًا تجاوز زمنها، لأن حضوره لم يكن نابعًا من الموقع الذي شغله، بل من رؤية واضحة للدولة، وإيمان راسخ بقدرته على خدمة وطنه، وشجاعة في اتخاذ القرار وتحمل تبعاته. كان يرى في المسؤولية عهدًا لا موقعًا، وفي العمل الوطني التزامًا لا شعارًا، وفي الإنجاز مسؤولية تُثبتها النتائج. ولذلك بقي اسمه حاضرًا في الوجدان الأردني، بوصفه تجربة وطنية ارتبطت بمعنى الدولة والمسؤولية والموقف.
ومن هذا المعنى تأتي عبارة «وصفيون ووصفيات… بيننا». فهي لا تضع أحدًا في مقارنة مع وصفي، ولا تنتقص من خصوصية تجربته، وإنما تفتح بابًا لفكرة أوسع، مفادها أن الأردن يملك دائمًا كفاءات وطنية قادرة على تحمل المسؤولية وخدمة الشأن العام، من رجال ونساء يمتلكون العلم والخبرة والرؤية، وقد تكون بينهم طاقات لم تجد بعد الفرصة التي تكشف قدرتها وتضعها في موقع الفعل.
القضية إذن ليست في كثرة الأسماء التي نعرفها، وإنما في قدرتنا على رؤية الكفاءة حين تكون أمامنا، ومنحها المساحة التي تمكنها من العمل والإنجاز. فالمؤسسات القوية لا تكتفي بتداول الأسماء المعروفة، بل تملك القدرة على اكتشاف الطاقات، واختبارها في مواقع المسؤولية، وبناء الثقة على العلم والخبرة والنزاهة والقدرة على تحمل تبعات القرار. وعندما يصبح الإنجاز هو المعيار الحاسم، تصبح المسؤولية استحقاقًا يرتبط بما يقدمه الإنسان لوطنه، لا بما يحمله اسمه من حضور سابق.
وتوسيع المجال أمام الكفاءات لا يعني التخفف من المعايير، بل يعني أن تكون المعايير واضحة وعادلة، وأن تكون الفرصة متاحة لمن يملك القدرة، حتى وإن لم يكن من الأسماء المتداولة في المشهد العام. فكثير من الكفاءات لا ينقصها العلم أو الخبرة، وإنما تحتاج إلى مساحة حقيقية تتحول فيها المعرفة إلى قرار، والخبرة إلى عمل، والقدرة إلى أثر.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله تجاه وصفي التل أن نقرأ تجربته باعتزاز، لا بحثًا عن شبيه له، وإنما فهمًا لمعنى المسؤولية التي جسدها في حياته ومسيرته. فوصفي له مكانته الراسخة في الذاكرة الوطنية، وهي مكانة صنعتها سيرته ومواقفه وما تركه من أثر في تاريخ الأردن.
وفي المقابل، فإن في الأردن اليوم رجالًا ونساءً قادرين على أن يصنع كل منهم أثره الخاص، بقدرته وشخصيته وتجربته. فوصفي يبقى وصفي، وتبقى المبادئ التي جسّدها حاضرة في وجداننا، شاهدةً على أن خدمة الوطن مسؤولية تُقاس بالفعل، وأن الأثر الحقيقي يبقى لمن جعل من موقعه مسؤولية، ومن قراره إنجازًا.