أخضر كبيئتنا…مستدام كطموحنا
د. ليال عيسوه
09-09-2026 09:56 AM
قيمة التمويل لا تبدأ عند الحصول عليه، ولا تنتهي عند إنفاقه؛ بل تتحدد بما يصنعه من قدرة، وما يتركه من نتائج قابلة للاستمرار. ومن هنا تكتسب توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين للحكومة بإعداد استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة للتمويل المناخي أهمية تتجاوز الجانب المالي، لأنها تضع هذا الملف في صلب الخيارات الاقتصادية والتنموية للدولة؛ حيث تتقاطع حماية الموارد مع أمن المياه والطاقة، وترتبط الاستدامة بقدرة الاقتصاد على مواجهة التحولات المقبلة.
والأردن لا يبدأ من فراغ؛ فقد راكم خلال السنوات الماضية سياسات وتجارب ومبادرات في مجالات المناخ والتمويل الأخضر. ولذلك، فإن القيمة المضافة للاستراتيجية الجديدة، في تقديري، لا ينبغي أن تتمثل في إضافة وثيقة أخرى إلى منظومة السياسات القائمة، بل في تطوير طريقة إدارة هذا الملف.
فالتمويل ليس غاية في ذاته، والمشروع لا يكتسب قيمته لمجرد اكتماله، وإنما بما يحققه من نتيجة حقيقية، وبما يضيفه إلى قدرة الدولة على إدارة مواردها بكفاءة واستدامة.
ومن هنا أقترح أن تتضمن الاستراتيجية آلية وطنية للمراجعة اللاحقة للاستثمارات المناخية. يبدأ ذلك بتحديد النتائج المنتظرة من كل استثمار منذ مرحلة اعتماده، ثم العودة إليه في مواعيد محددة بعد التنفيذ لقراءة ما تحقق فعليًا، وما أثبت جدواه، وما يحتاج إلى تصحيح أو إعادة نظر. فنجاح المشروع لا ينبغي أن يكون نهاية التجربة، كما أن تعثره لا ينبغي أن يكون نهاية المساءلة؛ فكلاهما يمكن أن يتحول إلى معرفة تحسن الخيارات المقبلة.
وهنا تتجاوز الفكرة الجانب الإداري إلى صميم كفاءة الدولة الاقتصادية. فالمؤسسة التي تتعلم من نتائج إنفاقها تقلل كلفة الخطأ، وتراكم خبرة تساعدها على اتخاذ خيارات أكثر دقة في المرات اللاحقة. ومع مرور الوقت، تتحول التجارب السابقة إلى ذاكرة وطنية لصناعة القرار المناخي؛ تحفظ ما نجح، وتفسر ما تعثر، وتمنع أن تبدأ كل مبادرة جديدة من النقطة ذاتها.
وهذا ما يمنح الدعم الفني الذي وجّه جلالة الملك إلى توفيره للقطاعين العام والخاص معنى أوسع. فالمعرفة المطلوبة لا تقتصر على الوصول إلى مصادر التمويل، وإنما تمتد إلى حسن الاختيار، وكفاءة التنفيذ، وقراءة النتائج، والاستجابة للمتغيرات. فالدولة القادرة على التعلم من تجربتها تكون أقدر على حماية مواردها، وأقل عرضة لتكرار الأخطاء، وأكثر قدرة على تحويل الموارد المحدودة إلى قيمة تنموية مستدامة.
ومن منظور اقتصادي، فإن تراكم المعرفة الناتجة عن هذه الاستثمارات يمكن أن يصبح في حد ذاته أصلًا وطنيًا. فكل تجربة تُراجع بموضوعية ترفع جودة الاختيار التالي، وكل معرفة مؤسسية تقلل مساحة عدم اليقين، وكل تصحيح في الوقت المناسب يحول دون استمرار الإنفاق في مسارات لم تعد تحقق الغاية المرجوة.
وهنا يصبح التمويل المناخي أداة لبناء قدرة اقتصادية ومؤسسية تتراكم مع الزمن، لا مجرد مورد يرتبط بعمر المشروع.
لهذا، فإن نجاح الاستراتيجية الوطنية للتمويل المناخي لا ينبغي أن يُختزل في حجم الأموال التي يستطيع الأردن استقطابها، ولا في عدد المشاريع التي تنفذها الجهات المعنية، وإنما في قدرتها على ترك شيء أبقى من المشروع نفسه: معرفة أفضل، ومؤسسات أكثر قدرة على التعلم، وخيارات أكثر رشدًا.
فالدولة التي تحسن إدارة مستقبلها لا تُقاس فقط بما تستقطبه من موارد، بل بما تحوّله من موارد إلى قدرة، ومن تجربة إلى معرفة، ومن معرفة إلى قرار أكثر حكمة.