أدّوا القسم .. واحملوا الحقائب، ولا تنسوا الملفات
د. ليال عيسوه
12-09-2026 04:36 PM
ليس كل تعديلٍ إصلاحًا، وليس كل استمرارٍ نجاحًا. فالتشكيل الوزاري ليس إعادة ترتيب للأسماء، بل قرار في طريقة إدارة الدولة وأولوياتها. لذلك، لا تُقاس قيمة أي تعديل بحجمه، وإنما بالسبب الذي يقف وراءه وما يُفترض أن يضيفه إلى الأداء العام. فإذا تعثر ملف، أو تبدلت أولوية، أو ظهرت حاجة إلى خبرة مختلفة، يصبح القرار مفهومًا في سياقه؛ أما حين يصبح تبديل المواقع غاية في ذاته، فقد تتغير الصورة فيما تبقى القضايا التي تستدعي القرار في مكانها.
وفي الأردن، يظل التوزيع الاجتماعي والجغرافي حاضرًا في تشكيل الحكومات، وله اعتباره في الحياة العامة، لكنه لا ينبغي أن يتقدم على متطلبات الحقيبة وما تفرضه من معرفة وقدرة على اتخاذ القرار. فهناك مواقع تحتاج خبرة متخصصة، وأخرى تتطلب قدرة على التعامل مع ملفات معقدة، فيما يكون استكمال مسار أثبت جدواه أكثر نفعًا من إعادة فتحه من جديد. والرشد السياسي لا يكون في الانحياز إلى معيار واحد، بل في معرفة ما تحتاجه كل مرحلة، وما تقتضيه كل حقيبة، وما يخدم الدولة قبل غير ذلك.
والدولة لا تُدار بمنطق البداية من جديد مع كل حكومة. خلف كل وزارة أعمال أُنجزت، وقرارات اتُّخذت، وملفات لم تُحسم، وخبرة اكتسبتها المؤسسات عبر سنوات. وهذه الخبرة ليست ملكًا لمن تولى الحقيبة، بل جزء من رصيد الدولة. لذلك، فإن من يتولى المسؤولية لا يُقاس بقدرته على إلغاء ما سبقه، وإنما بقدرته على قراءة ما وجده، والبناء على ما أثبت قيمته، وتصحيح ما لم يحقق غايته. فإهدار الخبرة مع كل تغير في الأسماء ليس تجديدًا؛ إنه وقت وقدرة تُستهلك في إعادة البدء بدل التقدم.
ومن يتولى الحقيبة يدخل منذ يومه الأول إلى ملفات قائمة وأولويات لا تحتمل التأجيل. وتظهر قيمة اختياره في قدرته على تحديد ما يمكن إنجازه ضمن صلاحياته، وما يحتاج إلى قرار حكومي أوسع، ثم تحويل ذلك إلى أولويات واضحة وقرارات قابلة للتنفيذ. ولا يُقاس الأداء بكثرة الاجتماعات أو التصريحات، وإنما بما يمكن التحقق منه على أرض الواقع: قرار حُسم، ملف جرى التعامل معه، خدمة تحسنت، أو مسار استعاد قدرته على الإنجاز. فالمنصب لا يمنح صاحبه قيمة؛ النتائج هي التي تمنح المنصب معناه.
الأردن لا يحتاج إلى تغيير لمجرد التغيير، ولا إلى إبقاء المواقع بمعزل عن النتائج. يحتاج إلى قرارات تستند إلى الكفاءة، وتراعي الأولويات، وتراجع ما تحقق بوضوح، وتحفظ ما راكمته الدولة من خبرة وعمل. فالوزير يؤدي القسم ويحمل الحقيبة، لكنه يحمل معها أمانة قطاع، وموارد عامة، وقرارات تمس حياة المواطنين. وفي النهاية، لا يبقى اسم من حمل الحقيبة بقدر ما يبقى ما أنجزه، وما أصلحه، وما تركه من أثر يستحق أن يُبنى عليه.