التعداد السكاني والبنية التحتية: بيانات تحدد أين نبني للمستقبل
د. جعفر النسور
18-09-2026 02:30 PM
إذا كان التعداد يرسم خريطة للتوزيع السكاني والنشاط الاقتصادي في المملكة، فإن قيمته العملية تتجسد في تحويل هذه البيانات إلى أساس لتخطيط بنية تحتية قادرة على مواكبة النمو. فالأمر لا يتعلق بإضافة مشاريع جديدة فحسب، بل بتحديد مواقعها وأحجامها وتوقيت تنفيذها بما يتناسب مع التحولات السكانية والعمرانية والاقتصادية.
وتتأكد أهمية ذلك مع انطلاق أعمال التعداد العام للسكان والمساكن في الأول من تشرين الأول المقبل، إذ توفر نتائجه بيانات دقيقة تساعد على تحديد أولويات مشاريع البنية التحتية ومواقعها وأحجامها، بما يعزز كفاءة الإنفاق العام ويوجه الموارد نحو المناطق الأكثر حاجة.
خذ التعليم مثالًا، توفر البيانات قاعدة أدق بكثير من التقديرات التقريبية لمعرفة أين تنشأ الحاجة إلى مدارس جديدة، وأين يكفي توسيع القائم منها. فحين تُعرف أعداد السكان في الفئات العمرية المختلفة وأماكن تركزهم، يصبح ممكنًا تقدير أعداد الطلبة حاليًا ومستقبلًا، والانتقال من نمط معالجة الاكتظاظ بعد وقوعه إلى التخطيط المسبق للطاقة الاستيعابية، قبل أن يتحول النمو السكاني إلى ضغط فعلي داخل الصفوف الدراسية.
والمنطق نفسه يمتد إلى التعليم العالي ، حيث تشكل التغيرات المرتقبة في أعداد الاشخاص المقبلين على الجامعات، وتوزيعهم الجغرافي، مؤشرات مبكرة يُبنى عليها التخطيط لتوسيع مؤسسات التعليم العالي وتنويع تخصصاتها، بما ينسجم مع احتياجات الاقتصاد من المهارات في المرحلة المقبلة.
وينسحب المنطق ذاته، بتفاصيل مختلفة، على القطاع الصحي. فلا يكفي أن نعرف المعلومات السكانية في محافظة أو مدينة، بل الأهم أن نعرف أين تتركز الكثافات السكانية، وكيف تتوزع الفئات العمرية، وأين تنشأ تجمعات جديدة تحتاج إلى خدمات ومرافق صحية لم تكن قائمة من قبل. وهذا وحده ما يتيح تحديد الحاجة إلى مرافق جديدة كالمستشفيات والمراكز الصحية ، أو رفع الطاقة الاستيعابية للمرافق القائمة، استنادًا إلى حجم السكان المتوقع.
ويتكرر المشهد مع البنية التحتية للخدمات الأساسية. فحجم السكان وعدد الأسر والمساكن وتوزيعها الجغرافي يرتبط ارتباطًا مباشرًا بحجم الطلب على شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي.
وتساعد البيانات الدقيقة في تحديد المناطق التي تحتاج إلى توسعة هذه الشبكات أو رفع قدرتها الاستيعابية، أو إنشاء بنية جديدة تواكب التوسع السكاني والعمراني، بدل أن يأتي الاستثمار متأخرًا لمعالجة عجز متراكم.
وينطبق الأمر ذاته على قطاع الطاقة، إذ تفرض التجمعات السكانية الجديدة طلبًا متزايدًا على الكهرباء ومحطات التحويل، ومعرفة مسارات هذا النمو مسبقًا تُغني عن حلول متأخرة ومكلفة.
ولم تعد البنية الرقمية بمعزل عن ذلك . فمع توسع الخدمات الحكومية الإلكترونية والتعليم عن بُعد والخدمات الصحية والتجارة الرقمية، أصبحت شبكات الاتصال جزءًا أصيلًا من البنية التحتية الحديثة، ومعرفة توزيع السكان والتجمعات التي تحتاج إلى تحسين الاتصال بالشبكات الرقمية توفر إحدى القواعد التي توجه استثمارات الاتصالات والإنترنت نحو المناطق التي يتزايد فيها الطلب فعليًا.
أما في قطاع النقل، فحجم السكان وتوزيعهم لا يحددان فقط الحاجة إلى الطرق، بل يكشفان أيضًا اتجاهات الحركة بين مناطق السكن والعمل والتعليم والخدمات، بما يتيح ترتيب أولويات توسعة الطرق وتحسين المحاور القائمة وتخطيط شبكات النقل العام. كما توفر هذه البيانات أساسًا لتخطيط مشاريع السكك الحديدية وتحديد مساراتها وفق حجم السكان وتوزيع الأنشطة الاقتصادية ومراكز الخدمات، بما يربط التجمعات السكانية بمراكز النشاط والخدمات بكفاءة أكبر.
يضع التعداد قاعدة بيانات تساعد على بناء ما يحتاجه المجتمع اليوم، والاستعداد لما سيحتاجه غدًا. فكلما ارتبط تخطيط البنية التحتية بحجم السكان وتوزيعهم واتجاهات نموهم، أصبحت القرارات أكثر دقة، والتنمية أكثر توازنًا واستجابةً لاحتياجات المستقبل .