هذا السؤال على قدر كبير من الأهمية، لأنه يضعنا أمام مسؤولية ربما لا ننتبه إليها: هل نحن نمارس النقد الذي يساعد على إصلاح الأردن، أم نساهم، من حيث لا ندري، في إضعاف صورته والتقليل من إنجازاته؟
لا شك أن بعض الدراسات والتصنيفات والمؤشرات الدولية لا تعتمد فقط على الأرقام والبيانات الرسمية، بل قد تتأثر أيضًا بالصورة العامة للبلد، وبما تنقله وسائل الإعلام، وما يثار في المجال العام من قضايا وأحداث، وكيفية عرض التحديات والإنجازات. ومن هنا تصبح مسؤولية الإعلام والمجتمع في تقديم صورة متوازنة عن الوطن أمرًا بالغ الأهمية.
لكن ما يحدث أحيانًا هو العكس؛ إذ ينصرف جزء من الخطاب الشعبي والإعلامي إلى تضخيم السلبيات، وتعميم الأخطاء، والتقليل من الإنجازات، بينما تمر المظاهر الإيجابية في الحياة الأردنية وكأنها أمور بديهية لا تستحق الذكر.
وليس المقصود أن نتوقف عن النقد أو أن نتجاهل الفساد والبطالة والفقر وارتفاع الأسعار وأوجه القصور في الإدارة والخدمات. على العكس، النقد الموضوعي والمحاسبة الصارمة ضرورة لأي دولة تريد أن تتقدم. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النقد الذي يهدف إلى الإصلاح، والخطاب الذي لا يرى في الوطن إلا عيوبه.
فالإعلام الذي يحصر اهتمامه بالسلبيات لأنها أكثر إثارة وجذبًا للمشاهدات والتفاعل والإعلانات قد يحقق مكاسب آنية، لكنه قد يساهم، من حيث لا يقصد، في إضعاف الثقة بالصورة العامة للبلد. وفي المقابل، فإن إبراز الإنجازات والفرص والتجارب الناجحة لا يعني تلميع الواقع، بل يعني تقديم صورة أكثر توازنًا وعدلًا.
فالاستثمار والسياحة والعمل والدعم والمنح كلها تتأثر بدرجات مختلفة بالصورة العامة للبلد وبالثقة بمؤسساته وقدرته على الاستقرار والاستمرار. وفي المقابل، فإن المبالغة في تصوير الأزمات، أو تقديم الأخطاء وكأنها تمثل المشهد الأردني كله، يمكن أن يترك انطباعًا سلبيًا يتجاوز حجم المشكلة الحقيقية.
فلماذا نقلل من شأن أنفسنا؟ ولماذا نقلل من إنجازاتنا؟ ولماذا نمارس جلد الذات وكأن الاعتراف بما لدينا من إيجابيات انتقاص من حقنا في النقد؟
لننظر إلى الأردن كما هو، لا كما نريد أن نراه.
هذا بلد محدود الموارد الطبيعية، ويواجه شحًا شديدًا في المياه، ويعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، ومع ذلك استطاع أن يحافظ على استمرارية قطاعات أساسية وأن يبني مؤسسات وخدمات أصبحت جزءًا من الحياة اليومية. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الوصول إلى الكهرباء بلغ 100% من السكان، كما يصف البنك الأردن بأنه أظهر قدرة على الصمود أمام الصدمات الإقليمية والاقتصادية رغم محدودية الموارد.
ولننظر إلى حياتنا اليومية أيضًا: فنادق وقاعات أفراح تعج بالمناسبات، وأسواق وحركة تجارية، ومركبات تملأ الشوارع، وقطاعات زراعية وصناعية وخدمية تعمل وتوفر احتياجات واسعة للسوق المحلي، فضلًا عن قطاعات تصديرية. ولدينا منظومات في الكهرباء والمياه والطرق والنقل والتعليم والصحة والطاقة، أصبحت بالنسبة إلينا جزءًا طبيعيًا من الحياة إلى درجة أننا لا نلتفت إلى قيمتها إلا عندما يحدث خلل فيها.
وهذه ليست دعوة إلى تجاهل المشكلات. فالأردن يواجه بالفعل تحديات اقتصادية واجتماعية حقيقية، من بينها البطالة والفقر وضغط الموارد وشح المياه والحاجة إلى تحسين الخدمات ورفع كفاءة الإدارة.
لكن وجود المشكلات لا يعني أن كل شيء فاشل، كما أن وجود الإنجازات لا يعني أن كل شيء على ما يرام.
وهنا يأتي دورنا الحقيقي: أن ننتقد الخطأ دون أن نهدم الصورة، وأن نطالب بالإصلاح دون أن نهدم الثقة، وأن نكشف التقصير دون أن نحوّل الوطن كله إلى عنوان للتقصير.
أما الحديث عن القيادة الهاشمية، فلا يمكن تجاهل أنها تمثل أحد عناصر الاستقرار السياسي في الأردن، وأن الملك عبدالله الثاني هو رأس الدولة وفق الدستور. لكن من المهم أيضًا أن نكون دقيقين؛ فليس من الموضوعية القول إن هناك إجماعًا بنسبة 100% على أي قضية سياسية، أو أن الحياة السياسية تخلو تمامًا من الخلاف والاحتجاج. فالتقارير الحقوقية الحديثة توثق بالفعل قضايا تتعلق بحرية التعبير والنشاط السياسي في الأردن.
وهذا تحديدًا يؤكد فكرتنا: نحن بحاجة إلى صورة حقيقية ومتوازنة، لا إلى صورة وردية مصطنعة ولا إلى صورة سوداء مبالغ فيها.
إن الوطنية لا تعني أن نغلق أعيننا عن الأخطاء، كما أن النقد لا يعني أن نجلد وطننا كل يوم. الوطن ليس حكومة فقط، وليس مسؤولًا بعينه، وليس مؤسسة أو حزبًا؛ الوطن هو المكان الذي نعيش فيه جميعًا، ومصلحته تقتضي أن نقول الحقيقة كاملة: ما لنا من إنجازات، وما علينا من أخطاء.
لقد اعتدنا كثيرًا على الحديث عن حقوقنا تجاه الدولة، لكننا بحاجة أيضًا إلى الحديث عن مسؤوليتنا تجاه وطننا. ومن هذه المسؤولية أن ننتقد عندما يكون النقد ضروريًا، وأن نحاسب عندما يكون الحساب مستحقًا، لكن أن نقول أيضًا كلمة حق عندما نرى إنجازًا، وألا نحول كل إخفاق إلى حكم شامل على الأردن كله.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.
ومن نعم الله علينا أن نعيش في وطن استطاع، رغم محدودية موارده وشدة ما يحيط به من أزمات، أن يحافظ على أمنه واستقراره ومؤسساته، وأن يوفر الخدمات الأساسية، وأن يواصل مسيرة البناء.
فلننتقد، نعم. ولنحاسب، نعم. ولنطالب بالإصلاح بلا تردد. لكن لنفعل ذلك بعقل ومسؤولية، لأن إصلاح الوطن لا يحتاج إلى جلد الذات، ولا يحتاج إلى هدم صورته بأيدينا.
فلنقل الحقيقة كاملة، لا نصف الحقيقة.
الحمد لله على نعمة الأردن، ولنعمل جميعًا من أجل أردن أفضل… والله من وراء القصد.