من عمّان إلى المستقبل: الأردن ووعد الذكاء الاصطناعي
د.علي سليم الحموري
18-09-2026 06:20 PM
شكّل إطلاق تقرير التنمية في العالم 2026: «وعد الذكاء الاصطناعي» من عمّان مناسبة مهمة لإعادة طرح سؤال جوهري: كيف يمكن للأردن أن يحوّل الذكاء الاصطناعي من موجة تقنية عالمية إلى أداة تنموية وطنية؟
تتمثل الرسالة الأساسية في تقرير البنك الدولي في أن الدول النامية لا تحتاج إلى بناء نماذج ضخمة ومعقدة من الصفر حتى تستفيد من الذكاء الاصطناعي، بل يمكنها أن تبدأ بتبنّي الأدوات المتاحة، ثم تكييفها مع الاحتياجات المحلية، ثم الانتقال إلى مستويات أكثر تقدماً من التطوير. وتبدو هذه المقاربة ملائمة للأردن؛ لأنها تركز على الاستفادة العملية من التقنية، بدلاً من الدخول في سباق مكلف لا يتناسب دائماً مع قدرات الدول متوسطة الموارد.
واللافت أن الأردن لا يبدأ من فراغ فبحسب وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، وضعت المملكة السياسة الأردنية للذكاء الاصطناعي عام 2020 بهدف تحديد التوجه الحكومي في القطاعات الاقتصادية الحيوية، وتهيئة البيئة التشريعية والتنظيمية والتكنولوجية، وبناء القدرات والمهارات الوطنية. كما جاءت الاستراتيجية الأردنية للذكاء الاصطناعي 2023–2027 برؤية تقوم على جعل الأردن دولة رائدة إقليمياً في هذا المجال، وتوفير بيئة تكنولوجية وريادية جاذبة، يكون فيها الذكاء الاصطناعي مكوناً داعماً للاقتصاد الوطني.
ويتعزز هذا التوجه الوطني بما أكده سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، في مناسبات متعددة، من ضرورة مواكبة التطورات التكنولوجية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الرقمية لرفع كفاءة الأداء والإنتاجية في القطاعين العام والخاص، إلى جانب تمكين الشباب الأردني من مهارات المستقبل، وتعزيز قدراتهم في التفكير التحليلي والابتكار وحل المشكلات.
وفي إطار مبادرات المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، أكد سمو ولي العهد أهمية البناء على التجارب الرقمية الناجحة وتطويرها، ومن أبرزها مركز الصحة الرقمية، الذي يتيح خدمات الطبابة عن بُعد، وتطبيق «سند»، الذي شهد تطوراً ملموساً في تقديم الخدمات الرقمية للمواطنين. كما شدد سموه على ضرورة تحسين إدارة البيانات في القطاع الحكومي، بما يتيح الاستفادة الفاعلة من أدوات الذكاء الاصطناعي في التحليل، واستخلاص المؤشرات، ودعم اتخاذ قرارات دقيقة في الوقت المناسب.
وتقوم الاستراتيجية الأردنية على محاور مهمة، من أبرزها بناء القدرات، والبحث العلمي، والاستثمار وريادة الأعمال، وتطوير البيئة التشريعية والتنظيمية، وتطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي في القطاع العام. وهذه المحاور تتقاطع بوضوح مع ما يطرحه تقرير البنك الدولي من ضرورة الاستثمار في المهارات، والبيانات، والمؤسسات، والبنية التحتية.
لكن وجود الاستراتيجيات والسياسات لا يكفي وحده؛ فالتحدي الحقيقي هو الانتقال من الوثائق إلى التنفيذ، ومن المشروعات التجريبية إلى أثر اقتصادي واجتماعي قابل للقياس ويشير تقرير البنك الدولي إلى أن نقص المعلومات والتمويل والمهارات والبنية التحتية يمثل عائقاً أمام الشركات في الدول النامية.
كما يظل البعد القانوني محورياً؛ فالذكاء الاصطناعي يثير مسائل تتعلق بحماية البيانات الشخصية، والخصوصية، والتمييز الخوارزمي، والأمن السيبراني، والشفافية، والمساءلة ولهذا، فإن تطوير البيئة التشريعية لا ينبغي أن يكون مجرد استجابة تقنية، بل جزءاً من منظومة متكاملة لحماية الحقوق وتعزيز الثقة في استخدام الذكاء الاصطناعي. كما أن تحسين إدارة البيانات الحكومية يستلزم، بالتوازي، ضمان جودتها وحمايتها، ووضع أطر واضحة للمساءلة عن القرارات التي تُتخذ أو تُدعَم باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ومن هنا، فإن الفرصة أمام الأردن لا تكمن فقط في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في بناء نموذج وطني متوازن يجمع بين الاستثمار في الإنسان، والابتكار، وريادة الأعمال، وتطوير الخدمات، وحماية الحقوق، ورفع كفاءة الإدارة العامة.
فالمستقبل لن يكون لمن يمتلك التقنية وحدها، بل لمن يمتلك الكفاءات والمؤسسات والتشريعات القادرة على توجيهها لخدمة الإنسان والتنمية.