facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الشرق الاوسط ما بين القضية الفلسطينية والقضية الايرانية


د. عمر الرداد
23-09-2026 04:26 PM

كشفت كلمات قادة الشرق الأوسط في افتتاح الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة عن مفارقة سياسية لافتة: جاءت الولايات المتحدة جاءت إلى نيويورك وهي تضع إيران في مقدمة جدول أعمالها، بينما جاء حلفاؤها الإقليميون وهم يضعون فلسطين وغزة في مقدمة خطابهم، وهذه المفارقة لا تعني بالضرورة وجود قطيعة بين واشنطن وعواصم المنطقة، لكنها تكشف اختلافاً واضحاً في ترتيب الأولويات وتعريف مصادر الخطر والاستقرار في الشرق الأوسط.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان واضحاً في تحديد أولويته،فقد احتلت إيران الجزء الأبرز من خطابه أمام الجمعية العامة، حيث دافع عن الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة ضد طهران، وركز على منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وهدد بتصعيد أكبر إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، مع حديثه عن إمكانية التوصل إلى صفقة بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية. وبذلك قدم ترامب إيران باعتبارها التحدي الأمني والاستراتيجي الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى واشنطن.

لكن عندما انتقل الدور إلى قادة المنطقة، تغير مركز الثقل بصورة واضحة،فقد جعل الملك عبدالله الثاني القضية الفلسطينية محوراً رئيسياً في خطابه، متوقفاً عند غزة والضفة الغربية والاستيطان والتهجير، ومؤكداً أن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يمكن فصله عن مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة، كما برزت فلسطين وغزة بقوة أيضاً في خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في وقت بدا فيه الملف الإيراني أقل حضوراً في الخطاب السياسي العربي والإقليمي المعلن.

الأكثر دلالة أن وزراء خارجية السعودية والأردن ومصر والإمارات وقطر وتركيا وإندونيسيا وباكستان اجتمعوا في نيويورك، وكان محور بيانهم المشترك هو استمرار المعاناة الإنسانية في غزة، وإدخال المساعدات، وتنفيذ الالتزامات المرتبطة بخطة السلام، ورفض استمرار الوضع القائم الذي يمنع الوصول إلى تسوية سياسية للقضية الفلسطينية. وهذا يعني أن العواصم التي ترتبط بدرجات مختلفة بعلاقات استراتيجية مع واشنطن لم تتبنَّ بالضرورة ترتيب الأولويات الأميركي نفسه.

وهنا تظهر المسألة في بعدها الأعمق، واشنطن تنظر إلى إيران باعتبارها مشكلة استراتيجية، بينما تنظر دول المنطقة إلى فلسطين باعتبارها جزءاً من بنية الاستقرار الإقليمي نفسها، فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن البرنامج النووي الإيراني، والقوة العسكرية الإيرانية، والممرات البحرية والطاقة، ونفوذ طهران الإقليمي، كلها ملفات يمكن التعامل معها ضمن استراتيجية أمنية وسياسية محددة،أما بالنسبة إلى الدول العربية، فإن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف خارجي يمكن احتواؤه أو تأجيله، لأنها ترتبط مباشرة بالرأي العام العربي، وبالأمن الداخلي، وبشرعية السياسات الإقليمية، وبمستقبل النظام الإقليمي كله.

وهذا يفسر جانباً من التباين في الخطاب،فالدول العربية لا تنكر الخطر الإيراني، وبعضها خاض تجارب مباشرة مع تداعيات النفوذ الإيراني أو الصواريخ والطائرات المسيّرة أو تهديدات الملاحة والطاقة،لكنها في الوقت نفسه لا ترى أن إنهاء أو احتواء الخطر الإيراني سيؤدي تلقائياً إلى إنهاء أزمات الشرق الأوسط، فايران مشكلة أمنية؛ أما فلسطين فهي، في نظر هذه الدول، مشكلة سياسية وأمنية وهوية إقليمية في آن واحد.

والأهم أن هذه الدول لا تريد أن تتحول مواجهة إيران إلى إطار جديد يعيد تعريف الشرق الأوسط كله باعتباره ساحة مواجهة إيرانية -أميركية،فالمصلحة العربية، كما تظهر في الخطاب السياسي الأخير، تبدو أكثر ارتباطاً بإعادة بناء منظومة إقليمية تعالج ملفات متعددة في وقت واحد: إيران، وفلسطين، وغزة، وسورية، ولبنان، وأمن الخليج والممرات البحرية، ومستقبل العلاقات العربية -الإسرائيلية.

من هنا يمكن فهم لماذا لم يكن التركيز العربي على إيران بالحدة نفسها التي ظهرت في خطاب ترامب،فالعواصم العربية تريد من الولايات المتحدة أن تنظر إلى المنطقة من منظور أوسع من المواجهة مع طهران، وهي، عملياً، تقول لواشنطن إن الأمن لا يبدأ وينتهي عند إيران، وإن نجاح السياسة الأميركية في احتواء طهران لن يكون كافياً إذا بقيت القضية الفلسطينية مصدراً دائماً للتوتر والانفجار، وتبدو هنا أهمية خطاب الملك عبدالله الثاني واضحة، فالأردن، رغم تحالفه الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وتأكيده استمرار التنسيق معها، وضع القضية الفلسطينية في صلب رؤيته للاستقرار الإقليمي، بل أكد في اجتماع دعا إليه ترامب أن استمرار التصعيد في غزة والضفة الغربية يهدد بتوسيع الصراع ويقوض الجهود الأميركية لإعادة الهدوء، أي أن الخطاب الأردني لم يكن في مواجهة واشنطن، بل كان محاولة للتأثير في أولوياتها من داخل الشراكة نفسها.

وهذه ربما هي النقطة الأكثر أهمية في قراءة الموقف العربي: الاختلاف ليس حول التحالف مع الولايات المتحدة، وإنما حول أجندة هذا التحالف،فواشنطن تريد من حلفائها أن ينظروا إلى الأمن الإقليمي من زاوية احتواء إيران، بينما يريد هؤلاء الحلفاء أن تستخدم واشنطن نفوذها وقدرتها على التأثير في إسرائيل لمعالجة القضية الفلسطينية باعتبارها جزءاً من شروط الاستقرار الإقليمي، حتى الخطاب الأممي الأوسع يعكس هذه الأولوية،فالأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش، رغم حديثه عن التصعيد في المنطقة وضرورة استعادة حرية الملاحة وخفض التوتر، عاد في خطابه إلى الوضع في غزة والضفة الغربية وحذر من أن استمرار العنف والتهجير والتوسع الاستيطاني يهدد بإسقاط حل الدولتين، وهذا يؤكد أن فلسطين لم تعد في الخطاب الدولي مجرد ملف تابع للصراع الإقليمي، وإنما عادت إلى مركز النقاش السياسي في الأمم المتحدة.

لكن هناك بعد آخر لا يقل أهمية، فالحرب مع إيران جعلت دول المنطقة أكثر حساسية تجاه فكرة الاعتماد الكامل على القوة الأميركية في إدارة أمنه،فالدول الخليجية والعربية تريد شراكة أمنية مع واشنطن، لكنها تريد في الوقت نفسه مساحة أكبر من الاستقلالية في إدارة علاقاتها مع إيران وجيرانها،وقد ظهر ذلك في الدعوات الخليجية والإقليمية إلى الحوار وبناء ترتيبات أمنية إقليمية، بالتوازي مع استمرار العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

ان قراءة المشهد في نيويورك تشي ببداية نقاش أوسع حول شكل النظام الإقليمي الذي سيأتي بعد الحرب مع إيران، فواشنطن تبدو معنية أولاً بإضعاف القدرة الإيرانية ومنع عودة التهديد النووي والعسكري، بينما تبحث الدول العربية عن ترتيبات تمنع إعادة إنتاج دورة الحروب نفسها، وفي حساباتها، فإن ترك القضية الفلسطينية بلا حل يعني ترك أحد أهم مصادر عدم الاستقرار مفتوحاً، حتى لو جرى احتواء إيران، لذلك فإن الرسالة التي حملها الحلفاء الإقليميون إلى نيويورك لم تكن: «إيران ليست المشكلة»، وإنما كانت أقرب إلى القول:إيران ليست المشكلة الوحيدة، وفلسطين لا يمكن أن تبقى خارج معادلة الأمن الإقليمي، وهذه رسالة مختلفة عن الخطاب الأميركي، لكنها لا تعني بالضرورة صداماً مع واشنطن؛ بل تعكس محاولة من الحلفاء للتأثير في الاتجاه الذي ستسلكه السياسة الأميركية بعد الحرب.

وفي الخلاصة، فإن المفارقة التي كشفتها الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام قد تكون أكثر من مجرد اختلاف في الخطابات، فهي تعكس سؤالاً استراتيجياً سيصبح أكثر إلحاحاً في المرحلة المقبلة: هل تريد الولايات المتحدة بناء شرق أوسط جديد يقوم أساساً على احتواء إيران، أم أنها مستعدة لبناء تسوية إقليمية أوسع تتعامل في الوقت نفسه مع إيران والقضية الفلسطينية وبقية مصادر الصراع؟ والإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير طبيعة العلاقة بين واشنطن وحلفائها العرب في المرحلة المقبلة، فالحلفاء لا يطلبون بالضرورة من الولايات المتحدة أن تتراجع عن مواجهة إيران، لكنهم يريدون ألا تصبح إيران ذريعة لتأجيل فلسطين مرة أخرى ، فقد تكون طهران هي العقدة الأمنية الأكبر لامريكا ، أما بالنسبة إلى عواصم المنطقة، فإن استمرار الصراع الفلسطيني هو العقدة السياسية التي تجعل أي ترتيب أمني جديد هشاً وقابلاً للانفجار.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :