في الانتخابات .. يغيب صوت العقل، نخسر الديمقراطية ويبقى الخلاف
محمد مطلب المجالي
26-09-2026 11:41 AM
هل نحسن الاختيار، أم نميل عنه بعيدًا عندما تتقدم العصبية على العقل، والمجاملة على الكفاءة، والخصومة على المصلحة العامة؟
الانتخابات ليست معركة لإسقاط الآخر، ولا ساحة للسب والطعن وتبادل الاتهامات وزرع الفتن، بل هي وسيلة لاختيار من نراه أهلًا لخدمة الناس وتحمل المسؤولية. لكن حين تتحول المنافسة إلى خصومة، يصبح صندوق الاقتراع بداية خلاف بدل أن يكون بوابة لاختيار الأفضل.
وهنا يُستبعد صوت العقل، لا لأنه غائب، وإنما لأن أصواتًا أعلى منه تتقدم المشهد؛ أصوات تجيد إشعال الخلاف أكثر مما تجيد صناعة الحلول.
المشكلة ليست في أن يختلف الناس، فالاختلاف حق وطبيعة بشرية، وإنما في أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، والمنافسة إلى إساءة، والنتيجة الانتخابية إلى سبب للقطيعة بين أبناء المجتمع الواحد.
وما زلنا، بصراحة، نحمل شيئًا من العقلية القبلية في تعاملنا مع الديمقراطية؛ نريدها عندما تخدمنا، ونتبرأ منها عندما تأتي نتائجها على غير ما نشتهي. نرفع شعار الاختيار الحر، ثم نغضب من اختيار الآخرين. نطالب بالديمقراطية، لكننا أحيانًا لا نتقن أبسط قواعدها: أن أختلف معك دون أن أكرهك، وأن أنافسك دون أن أهينك، وأن أخسر دون أن أخسر أخلاقي.
فالانتخابات ليست سباقًا في الحشد، ولا مسابقة في رفع الأصوات، وإنما امتحان حقيقي لوعي المجتمع: من نختار؟ ولماذا نختاره؟ وهل نبحث عن صاحب القدرة على خدمة الناس، أم عن شخص يوافق انتماءاتنا ومصالحنا؟
وقد يكون استبعاد صوت العقل سهلًا في لحظة انتخابية، لكنه قد يكون مكلفًا بعد انتهاء الانتخابات. فالمقعد يذهب إلى صاحبه، أما آثار الخصومة فقد تبقى بين الناس طويلًا.
ومن هنا، فإن الحفاظ على السلم الاجتماعي ليس تراجعًا عن الديمقراطية، ولا ضعفًا في المنافسة، بل هو أحد أرقى أشكال الوعي بها.
فلننتخب من نراه قادرًا وأمينًا، ولنتنافس بشرف، ولينتهِ الخلاف عند حدود الصندوق، دون سب أو طعن أو تشويه أو زرع للفتن.
فما قيمة مقعد نربحه إذا خسرنا من أجله أخًا أو جارًا أو صديقًا؟
الديمقراطية لا تكتمل بالصندوق وحده؛ بل تكتمل بأخلاقنا قبل الصندوق، وبقدرتنا على قبول الاختلاف دون أن يتحول إلى خصومة.
وحين يغيب صوت العقل، لا نخسر الانتخابات وحدها، بل نخسر شيئًا من تماسك المجتمع، ويبقى الخلاف شاهدًا على أننا لم نتعلم بعد كيف نختلف دون أن نتخاصم.
المقعد قد يذهب إلى شخص، أما المجتمع فيبقى للجميع.