بعد خطاب الملك .. هل تحمي (الرقمنة) أمن الأردن؟
د. م. محمد الدباس
27-09-2026 08:48 AM
بعد خطاب (الملك) أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يعد الأردن يستطيع أن يتعامل مع المرحلة المقبلة بمنطق الدولة التي تراقب ما يجري من حولها فقط، بل بمنطق الدولة التي أصبحت ماثلة في قلب معادلة إقليمية معقدة. فقد كان خطاب الملك واضحاً وقوياً في مواجهة ما يجري في فلسطين وغزة وسوريا، وفي رفض تحويل التوسع والتهجير والضم إلى أمر واقع.
مواجهة هذه المرحلة لا تتوقف عند قوة الموقف السياسي الأردني؛ والأمن الوطني الذي تحدث عنه (الملك) لم يعد مفهوماً عسكرياً أو حدودياً فقط. لقد دخلنا زمناً أصبحت فيه التكنولوجيا والبيانات والبنية الرقمية جزءً من قوة الدولة ومن قدرتها على حماية قرارها وسيادتها. ومن هنا تبرز (الرقمنة) باعتبارها ضرورة للدولة الحديثة، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية (سيادية)؛ فكلما توسعت الدولة في رقمنة خدماتها وقطاعاتها الحيوية، أصبح (التحقق) عن مصدر التكنولوجيا وسلامتها وملكيتها وسيطرتها جزءً لا يتجزأ من أمنها الوطني.
ولعل ما حدث في لبنان مع أجهزة (البيجر) كان واحداً من أكثر الدروس قسوة. فالحادثة أظهرت أن الخطر قد لا يأتي من اختراق النظام بعد تشغيله فقط، بل قد يبدأ من الجهاز نفسه ومن سلسلة التوريد التي سبقت وصوله إلى المستخدم. وهذه رسالة يتوجب ألا تمر على الأردن مروراً عابراً، وخصوصاً ونحن نمضي بسرعة نحو دولة رقمية تعتمد بصورة متزايدة على أجهزة وبرمجيات وشبكات وأنظمة تأتي من الخارج.
وللعلم ليس الأردن أمام مخاوف نظرية كما قد يراها البعض؛ فمثلاً حوّلت (إستونيا) أمنها الرقمي إلى جزء من أمن الدولة بعد هجمات واسعة، بينما إستعدت (سنغافوره) إستعداداً مسبقاً لهجمات قد تستهدف الكهرباء والمياه والاتصالات، وفرض (الإتحاد الأوروبي) حماية صارمة لسلاسل التوريد الرقمية في القطاعات الحيوية، فيما تعاملت (إسرائيل) نفسها مع أمن التكنولوجيا والبيانات باعتباره جزءً من أمنها القومي. والرسالة واضحة، الدول لا تنتظر الاختراق، ولا تتعامل مع التكنولوجيا كسلعة تُشترى فقط بل كجزء من سيادتها؛ ومن يملك مفاتيحها يملك جزءً من أمنها.
فماذا لو كانت البنية الرقمية للدولة مرتبطة بالكامل بتكنولوجيا لا نملك مفاتيحها؟ ماذا لو أصبحت الكهرباء والمياه والإتصالات والمطارات والمستشفيات والبنوك والهوية الرقمية مرتبطة بأنظمة لا نعرف تماماً من يملك مفاتيحها التقنية؟ وماذا لو كان (تحديث) صغير أو (ثغرة) في برنامج قادراً على الانتقال من شاشة الحاسوب مباشرة إلى منشأة حيوية قائمة؟
هنا لا يصبح الحديث عن الأمن السيبراني ترفاً تقنياً، ولا عن حماية البيانات مجرد ملف إداري. إنه حديث عن (سيادة الدولة) نفسها. فالسيادة في عصرنا الحالي لم تعد فقط حدوداً وجيشاً ومؤسسات؛ لا بل أصبحت أيضاً بيانات وشبكات ومراكز معلومات وأنظمة تشغيل، وقدرة وطنية على معرفة ما يدخل إلى هذه المنظومة ومن يستطيع الوصول إليها.
والأردن، الذي يرفع صوته سياسياً في مواجهة مشروع توسعي تدعمه قوة تكنولوجية وعسكرية ضخمة، لا يجوز له أن يدخل العصر الرقمي بعقلية (المستهلك) الذي يشتري التكنولوجيا ويشغلها وينتظر من الآخرين أن يحموا مفاتيحها. نحن بحاجة إلى رقمنة أردنية تعرف ماذا نستورد، ومن أين تستورد وكيف تفحص وأين تخزن البيانات، ومن يملك مفاتيح الوصول، وما البديل إذا سقط النظام الرقمي أو تعرض للإختراق؟
وهنا تقع المسؤولية على الحكومة والمؤسسات المعنية، لا يكفي أن نعلن التحول الرقمي، ولا أن نقيس النجاح بعدد التطبيقات والمنصات والخدمات الإلكترونية. النجاح الحقيقي هو أن تمتلك الدولة القدرة على حماية هذه المنظومة في أسوأ الظروف، وأن تكون لديها بدائل وخبرات ورقابة وطنية (ومنعة) رقمية واعدة ترقى لمستوى التحديات.
خلاصة القول؛ خطاب الملك في الأمم المتحدة لم يكن مجرد خطاب دبلوماسي؛ كان إعلاناً عن موقف أردني واضح في مرحلة شديدة الحساسية. وإذا كان الأردن قد أصبح بالفعل شوكة في قلب المشروع التوسعي الإسرائيلي سياسياً ودبلوماسياً، فإن حماية هذا الموقف تتطلب أيضاً دولة (محصنة رقمياً) من الداخل، وقادرة على امتلاك أدوات القوة الجديدة التي أصبحت جزءً من أمنها الوطني.