الغاية من التعليم .. أن يفكر
الصحفية رلى السماعين
30-09-2026 11:56 AM
يبلغ عدد الأطفال حول العالم من عمر الولادة وحتى الرابعة عشرة، نحو 1.9 مليار طفل، وفي الأردن عددهم يقدر بنحو 3.8 مليون طفل، أي ما يقارب 40% من مجموع السكان الأمر الذي يضعنا أمام مسؤولية حقيقية، تتعدى كونها تربوية لتكون اقتصادية واجتماعية ووطنية.
نحن أمام خيارين إما أن نحسن تعليم هذا الجيل وتأهيله ليس فقط من أجل العلم والمعرفة بل من أجل بناء اقتصاد أكثر إنتاجية ومجتمع أكثر قدرة على التطور والانفتاح على العالم، لأن عكس ذلك تتحول هذه الطاقة البشرية إلى عبء على المجتمع الذي يبقى يعاني ولا يتطور.
المجتمعات لا تتطور بالصدفة ولا تُبنى بما تمتلكه من موارد بشرية بل بما تزرعه من أفكار في عقول أجيالها. فكل مشروع حضاري يبدأ بفكرة، وكل نهضة حقيقية سبقتها معرفة قادرة على إنتاج فكرة. ومن هنا يصبح التعليم المحطة الاولى التي يتشكل فيها وعي الإنسان ومنها المجتمع.
من مدة تعالت أصوات تطالب بالابتعاد عن التلقين الذي يجعل الطالب حافظاً للمعلومة من دون أن يفهمها، بالرغم من أهمية "الحفظ عن غيب" كما نطلق عليها لان أبحاث علم التعلّم تؤكد أن استرجاع المعلومات من الذاكرة يعزز تثبيتها على المدى الطويل، في التفكير والتفكير النقدي لا يحدث في فراغ، بل يحتاج إلى مخزون معرفي يستطيع الطالب تحليلها وربطها ونقده.
وفي عصر مختلف تماماً عما عرفته أجيال سابقة، يصبح التطوير المستمر ضرورة كون الطالب اليوم يعيش وسط الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل والتدفق الهائل للمعلومات والمعلومات المضللة وخطاب الكراهية. وتؤكد اليونسكو أن التربية الإعلامية والمعلوماتية تساعد الأفراد على تحليل المحتوى وتقييمه والتعامل بوعي أكبر مع البيئة الرقمية، أي أن تحديث التعليم لم يعد مهماً لإعداد الطالب لسوق العمل فقط، بل أصبح جزءاً من حماية وعيه وقدرته على التمييز. وفي الوقت ذاته، تؤكد الأدبيات الدولية أهمية أن تكون عملية التحديث متدرجة ومتسقة ومستدامة، بعيداً عن التغييرات المتكررة أو المتناقضة التي قد تربك المدرسة والمعلم والطالب.
والتعليم في الوقت نفسه قضية اقتصادية بامتياز فالبنك الدولي يربط الاستثمار في التعليم بارتفاع المهارات الإنتاجية والدخل وتحسين فرص النمو، الأمر الذي يعني أن ضعف التعليم لا يبقى داخل أسوار المدرسة بل تدفع ثمنه سوق العمل والمجتمع والدولة.
ولهذا كانت الندوة التي نظمتها جامعة العلوم التطبيقية الخاصة بالتعاون مع مركز إيلاف للدراسات والبحوث حول «تحديث التربية والتعليم والتعليم العالي» مهمة في توقيتها ومضمونها، بمشاركة وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية معالي الدكتور عزمي محافظة، ووزيرة التعليم العالي والبحث العلمي الأسبق ورئيسة مجلس أمناء الجامعة الهاشمية الدكتورة رويدة المعايطة، ومدير المركز الوطني لتطوير المناهج الدكتور محمد كنانة. أهمية مثل هذه اللقاءات تكون في أن يتحدث في التعليم أهله، وأن تلتقي الخبرة الأكاديمية مع صناعة القرار في مساحة تسمح بالمراجعة والنقد واقتراح الحلول.
التعليم سياسة دولة ومجتمع وتحتاج إلى رؤية قصيرة وطويلة المدى وفي تطور مستمر لذا لا يجب أن تبدأ من الصفر كلما تغير المسؤول، بل أن يُبنى الجديد فيها على ما تحقق، وتُقاس نتائجها بجدية.
والغاية أن نعلّم الجيل الصاعد بأن الفكرة والتساؤل هما سلاح المعرفة الحقيقة وما على التعليم إلا تزويدهم بالأدوات التي تجعلهم يعرفون كيف يفكرون، وكيف يميزون، وكيف يختارون.
لا أخاف على التعليم في بلدي ما دامت فيه قامات علمية وخبرات حقيقية وما نحتاجه هو أن تأخذ هذه الخبرات مكانها الصحيح في صناعة القرار، لتحدث التغيير الذي نريده للمصلحة العامة، والأردن يستحق.
*كاتبة متخصصة في الحوارات والسلم المجتمعي