إلى أي مدى تستطيع المخزونات العالمية احتواء اضطراب هرمز وباب المندب؟
د. حمد الكساسبة
03-10-2026 12:42 PM
لا تكمن هشاشة أسواق الطاقة في نقص النفط بقدر ما تكمن في اعتمادها على عدد محدود من الممرات التي تربط مناطق الإنتاج بالأسواق. فقد يمتلك العالم إنتاجاً كافياً ومخزونات كبيرة، ومع ذلك يبقى معرضاً لصدمة إذا تعطلت هذه الممرات. ومن هنا، فإن اضطراب هرمز وباب المندب لا يختبر أمن الملاحة فقط، بل يختبر قدرة السوق على تحقيق توازن بين ما هو متاح من النفط وما يحتاجه المستهلكون، ومنع انتقال أزمة الإمدادات إلى الأسعار والتضخم والنمو.
وتظهر حساسية جانب العرض بوضوح في هرمز؛ إذ تراجعت تدفقات النفط والسوائل البترولية عبر المضيق من نحو 21.6 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من 2025 إلى قرابة 4.9 ملايين في الربع الثاني من 2026. أما باب المندب، الذي بلغت التدفقات عبره نحو 8.1 ملايين برميل يومياً في الفترة نفسها، فيؤثر بدرجة أكبر في زمن وكلفة وصول الإمدادات. وعندما يتعرض الممران للضغط معاً، تقل الكميات المتاحة لبعض الأسواق، وترتفع في الوقت نفسه تكاليف نقلها.
لكن الأسعار لا تتحرك بفعل حجم النقص وحده. فعدم اليقين بشأن أمن الممرات يضيف إلى سعر النفط ما يعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية، أي الزيادة التي يدفعها السوق نتيجة الخوف من اتساع الاضطراب مستقبلاً. وقد ترتفع هذه العلاوة حتى قبل حدوث نقص جديد في الإمدادات. وفي الوقت نفسه، يتأثر الطلب بارتفاع الأسعار وتباطؤ النشاط الاقتصادي؛ إذ تتوقع وكالة الطاقة الدولية تراجع الطلب العالمي بنحو 2.5 مليون برميل يومياً خلال 2026، مقابل انخفاض أكبر في العرض بنحو 5.7 ملايين برميل يومياً.
وهنا يظهر دور المخزون العالمي باعتباره وسيلة مؤقتة لسد الفجوة بين العرض والطلب. فقد انخفضت المخزونات النفطية العالمية المرصودة بنحو 507 ملايين برميل منذ فبراير حتى نهاية أغسطس. وهذا الرقم يوضح مفارقة مهمة: السحب من المخزون يضيف نفطاً إلى السوق فوراً ويخفف الضغط على الأسعار، لكنه يقلص في المقابل حجم الاحتياطي المتاح لمواجهة أزمات جديدة. لذلك يستطيع تحرير المخزون تهدئة القفزات السعرية، لكنه لا يكفي وحده لإعادة الأسعار إلى مسار منخفض ومستقر.
وتزداد الصورة تعقيداً عند الانتقال من النفط الخام إلى المشتقات. فالنفط الخام لا يستهلك مباشرة، بل يدخل إلى المصافي لإنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات وغيرها. ولذلك قد يكون الخام متوافراً، بينما تبقى بعض أنواع الوقود قليلة نتيجة محدودية قدرة المصافي أو تعطل صادراتها. ولهذا ركز تحرك مجموعة السبع في أكتوبر، إلى جانب الإفراج عن المخزون، على الديزل وتشغيل المصافي وتنسيق أعمال الصيانة، بما يعكس انتقال إدارة الأزمة من سؤال كمية النفط الموجودة إلى سؤال مكان النقص الحقيقي داخل سلسلة الطاقة.
ومع ذلك، يبقى تحرير المخزون أداة لشراء الوقت أكثر منه علاجاً للأسعار. فهو لا يضيف طاقة إنتاجية جديدة، ولا يزيد قدرة المصافي، ولا يزيل المخاطر الأمنية التي تهدد الممرات البحرية. وإذا استمر السحب من دون تحسن في الإمدادات والإنتاج، فقد يصبح انخفاض المخزون نفسه عاملاً يضغط على الأسعار. كما أن جزءاً من انخفاض الاستهلاك الحالي قد يكون مؤقتاً؛ فإذا تحسنت الإمدادات وتراجعت الأسعار، قد يعود جزء من هذا الطلب المؤجل إلى السوق، وهو ما قد يبطئ لاحقاً من تراجع الأسعار.
أما استقرار أسعار الخام والمشتقات بصورة أكثر استدامة، فيحتاج إلى معالجة جانبي السوق معاً. فمن جهة العرض، يتطلب ذلك استعادة انسياب التجارة عبر هرمز وباب المندب، وزيادة الإنتاج من الدول التي تمتلك طاقة إنتاجية إضافية، ورفع تشغيل المصافي وتسهيل حركة المنتجات. أما إذا بقي العرض محدوداً، فقد تستعيد السوق توازنها بطريقة أكثر كلفة، وهي تراجع الاستهلاك تحت ضغط الأسعار المرتفعة، بما يضعف النشاط الاقتصادي بدلاً من أن يتحقق التوازن من خلال زيادة الإمدادات.
ومن زاوية أوسع، فإن ما يجري بات يمثل صدمة جيو-اقتصادية عالمية تنطلق من الشرق الأوسط، بينما تتوزع كلفتها على العالم عبر أسعار الطاقة والشحن والتأمين والتضخم وسلاسل الإنتاج. وهنا يصبح السؤال أكبر من حجم المخزون: هل تظل الاستجابة محصورة في معالجة نتائج كل اضطراب بعد وقوعه، أم تنتقل إلى معالجة مصدر الخطر واستعادة الاستقرار في الممرات التي تعتمد عليها تجارة الطاقة؟ فكلما طال الاضطراب، تراجعت قدرة المخزون والبدائل المؤقتة على احتواء آثاره.
وعليه، فإن استقرار أسواق الطاقة لا يتوقف على حجم النفط المخزن وحده، بل على قدرة العالم على منع اضطراب الممرات من التحول إلى نقص مستمر في الإمدادات، ومنع هذا النقص من فرض أسعار أعلى واستهلاك أقل. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمخزون: شراء الوقت إلى أن تستعيد التدفقات استقرارها، لا الحلول محلها. فكلما عاد أمن الممرات وتحسن العرض وانخفضت علاوة المخاطر، ازدادت فرص تراجع أسعار الخام والمشتقات وإعادة بناء المخزونات؛ أما استمرار الاضطراب، فيبقي السوق عرضة لتقلبات لا تستطيع الاحتياطيات وحدها احتواءها.