ما بعد انسحاب التحالف الدولي من العراق
د. عمر الرداد
05-10-2026 12:55 AM
احتمالات عودة داعش وتوازنات النفوذ الإقليمي وتداعياتها على الأردن وسوريا والسعودية
يمثل انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق تحولاً استراتيجياً يتجاوز إعادة صياغة العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن، ليطرح تساؤلات حول احتمالات عودة تنظيم داعش، ومستقبل النفوذ الإيراني، ودور القوى السياسية والفصائل المسلحة العراقية، وانعكاسات ذلك على التوازنات الإقليمية، خصوصاً في الأردن وسوريا والسعودية، فالعراق يدخل مرحلة جديدة تتقدم فيها مسؤوليته المباشرة عن أمنه، في ظل استمرار التنافس الإقليمي وتعدد مراكز القوة، بما يجعل نجاحه في إدارة المرحلة عاملاً حاسماً في استقرار المنطقة.
ولا يعني انسحاب التحالف الدولي نهاية التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، بقدر ما يعكس انتقاله إلى صيغة جديدة من العلاقات الدفاعية الثنائية، بالتزامن مع استمرار العمليات الدولية ضد داعش في سوريا من الأردن،غير أن هذا التحول يضع القوات العراقية أمام تحديات تتعلق بتعويض بعض القدرات الاستخبارية والتقنية والعملياتية، والحفاظ على التنسيق بين المؤسسات الأمنية، خصوصاً في المناطق الحدودية والمناطق المتنازع عليها.
ولا يبدو أن تنظيم داعش يمتلك في المرحلة الراهنة القدرة على تكرار سيناريو عام 2014، والسيطرة على مدن ومساحات واسعة من العراق، لكنه لا يزال قادراً على استغلال الثغرات الأمنية والانقسامات السياسية لإعادة بناء خلاياه وشبكاته، ومن المرجح أن يركز في المرحلة المقبلة على استراتيجية الاستنزاف، من خلال الهجمات المحدودة والاغتيالات واستهداف المواقع الأمنية والطرق الحيوية، مستفيداً من المناطق الصحراوية والحدودية، ومن أي تراجع في التنسيق الاستخباري والعملياتي، وتزداد احتمالات تنشيط التنظيم إذا انشغلت الدولة العراقية بالصراعات السياسية أو التنافس بين مراكز القوة المسلحة، أو تراجعت قدراتها في المراقبة والاستطلاع، لذا فإن الخطر لا يكمن بالضرورة في عودة داعش كقوة تسيطر على الأرض، بل في تحوله إلى تهديد مستدام يستنزف الدولة ويقوض الاستقرار، ويمهد لعودة أوسع إذا ترافقت هذه التطورات مع ضعف المؤسسات الأمنية أو اتساع الصراعات الداخلية.
وفي السياق، يشكل انسحاب التحالف فرصة لإيران لتعزيز نفوذها السياسي والأمني في العراق، من خلال علاقاتها مع القوى السياسية الشيعية والفصائل المسلحة الحليفة، وتوسيع تأثيرها في القرار الأمني والعلاقات الخارجية، ولا يعني هذا التحول أن طهران باتت قادرة على التحكم الكامل بالقرار العراقي، في ظل تباين مواقف القوى الشيعية، وحرص بغداد على الحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن والدول العربية،ويتمثل التحدي الأساسي في مستقبل الفصائل المسلحة ومدى خضوعها لسلطة الدولة، إذ إن استمرار تعدد مراكز القوة قد يضعف وحدة القرار الأمني، ويجعل العراق أكثر عرضة للتحول إلى ساحة للمواجهة بين إيران والولايات المتحدة،وقد تسعى طهران إلى تجنب المواجهة المباشرة، مع الاحتفاظ بأدوات الضغط السياسية والعسكرية التي تتيح لها حماية مصالحها، وبالمقابل فإن نجاح الحكومة العراقية في توحيد القرار الأمني وحصر السلاح بيد الدولة سيشكل عاملاً أساسياً في الحد من التوترات الداخلية والإقليمية.
في التداعيات الامنية، تبقى سوريا الساحة الأكثر ارتباطاً بالتطورات العراقية، نظراً إلى الترابط الجغرافي والأمني بين البلدين، وإمكانية استغلال داعش لأية فجوات في السيطرة على الحدود والمناطق الصحراوية،كما أن أي تصعيد إقليمي أو توسع في النفوذ الإيراني قد يزيد تعقيدات المشهد السوري، ويعرقل جهود استعادة الاستقرار وبناء المؤسسات الأمنية، لذا فإن التنسيق بين بغداد ودمشق، وتبادل المعلومات ومراقبة الحدود، يمثلان ضرورة لمنع إعادة تنشيط التنظيم وشبكاته العابرة للحدود.
أما الأردن، فيواجه تداعيات مباشرة لأي تدهور أمني في العراق أو سوريا، سواء من خلال احتمالات تسلل العناصر المتطرفة، أو تنامي شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات، أو انتقال المواجهة الإقليمية إلى مناطق قريبة من حدوده، ويعزز انتقال قيادة التحالف لمواصلة عملياته في سوريا إلى الأردن موقع المملكة في منظومة مكافحة الإرهاب، لكنه يضاعف أهمية حماية أمنها الوطني وتجنب الانجرار إلى صراعات إقليمية مفتوحة، وتقتضي المصلحة الأردنية تعزيز التعاون الاستخباري والدفاعي مع العراق وسوريا والولايات المتحدة، وتطوير آليات الإنذار المبكر ومراقبة الحدود، بما يسمح بالتعامل مع التهديدات قبل تحولها إلى مخاطر مباشرة.
من جانبها،تتابع السعودية مرحلة ما بعد انسحاب التحالف من العراق من منظور يرتبط بأمن الخليج ومستقبل التوازن الإقليمي، إذ إن استقرار العراق وتعزيز سيادته يمثلان مصلحة استراتيجية للرياض، في مقابل مخاوفها من اتساع نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، أو تحول الأراضي العراقية إلى منصة للصراعات الإقليمية،ومن المرجح أن تركز السعودية على تعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية مع بغداد، وتوسيع الاستثمارات والتبادل التجاري والربط الإقليمي، بما يدعم استقلال القرار العراقي ويعزز ارتباطه بمحيطه العربي،فالمنافسة مع النفوذ الإيراني لا تقتضي بالضرورة المواجهة المباشرة، بل يمكن إدارتها من خلال دعم مؤسسات الدولة وتوسيع الشراكات الاقتصادية، ومنع تحول العراق إلى ساحة للاستقطاب الإقليمي،كما تتقاطع المصالح السعودية والأردنية والعراقية والسورية في منع عودة داعش، وحماية الحدود، والحفاظ على استقرار الدول ومؤسساتها،وقد يشكل التنسيق العربي فرصة لتعزيز التوازن الإقليمي، شريطة أن يستند إلى احترام سيادة الدول ومصالحها الوطنية.
ويمكن الاشارة هنا الى ان السيناريوهات المقبلة تتراوح بين نجاح العراق في تعزيز قدراته الأمنية وضبط الفصائل المسلحة والحفاظ على علاقاته الدولية، وبين استمرار حالة من عدم الاستقرار تسمح لداعش بتوسيع نشاطه، بالتزامن مع تنامي نفوذ القوى المسلحة، أما السيناريو الأخطر، فيتمثل في تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، بما قد يحول العراق إلى ساحة صراع، ويخلق فراغات أمنية تستغلها التنظيمات المتطرفة، مع امتداد التداعيات إلى سوريا والأردن والخليج.
وفي الخلاصة يمكن القول ان مستقبل الأمن الإقليمي لا يتوقف عند انسحاب التحالف الدولي بحد ذاته، بل على مصفوفة معقدة متشابكة، تبدا احتمالات نجاحها بقدرة العراق على تحويله إلى فرصة لتعزيز السيادة وبناء مؤسسات أمنية موحدة، ومنع احتكار القوى المسلحة للقرار الوطني،وفي الوقت الذي تسعى فيه إيران إلى حماية نفوذها، وتعمل السعودية على تعزيز التوازن العربي، يبقى احتواء داعش، الذي قد ينشط بدعم فاعلين متعددين، واستقرار العراق وسوريا مصلحة مشتركة للأردن ودول الخليج،فنجاح المرحلة المقبلة يتطلب الانتقال من إدارة التهديدات الأمنية إلى بناء منظومة تعاون إقليمي تحمي سيادة الدول، وتمنع تحول التنافس السياسي إلى صراعات تهدد أمن المنطقة واستقرارها.