التعليم التقني في الأردن: توسع استراتيجي أم تضخم في البرامج والمسميات؟
أ. د. هاني الضمور
05-10-2026 01:52 PM
لا خلاف على أن الأردن بحاجة إلى تحول حقيقي نحو التعليم التقني والتطبيقي، وأن الجامعات مطالبة بمواكبة التحولات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والطاقة والتكنولوجيا والصناعة الحديثة. لكن ما يستحق التوقف عنده هو السرعة اللافتة في إنشاء كليات تقنية واستحداث تخصصات جديدة ومتقاربة، ثم الإعلان عنها والقبول فيها، في وقت تعاني فيه جامعات عديدة أصلًا من صعوبة استقطاب الكفاءات الأكاديمية المتخصصة.
وهنا يبرز سؤال يبدو بسيطًا، لكنه جوهري: كيف يمكن استحداث تخصص تقني حديث، واعتماده، وقبول الطلبة فيه، قبل بناء كتلة أكاديمية متخصصة ومستقرة قادرة على تدريسه؟
إن إنشاء التخصص لا يبدأ باسم حديث وخطة دراسية، بل يبدأ بالكفاءات. فبرامج الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، وإنترنت الأشياء، والمركبات الكهربائية، والطاقة المتجددة، والتجارة الإلكترونية وغيرها تحتاج إلى متخصصين حقيقيين في مجالاتها، ومختبرات وتجهيزات، ومدربين وممارسين، وشراكات مع القطاعات الاقتصادية ذات العلاقة. وإذا لم تتوافر هذه المنظومة، فقد يتحول التعليم التقني إلى تدريس نظري لتخصص يفترض في الأصل أن يكون تطبيقيًا.
صحيح أن هناك فرقًا بين موافقة مجلس التعليم العالي على استحداث البرنامج وبين حصوله على الاعتماد الخاص، وأن أنظمة الاعتماد تحدد متطلبات لأعضاء هيئة التدريس والطاقة الاستيعابية والتجهيزات. لكن القضية التي ينبغي مناقشتها ليست فقط: هل استوفى البرنامج الحد الأدنى المطلوب للاعتماد؟ وإنما: هل يمتلك البرنامج منذ البداية مقومات الاستدامة والجودة بعد قبول الطلبة وتوسع أعدادهم؟
فوجود عدد محدود من أعضاء هيئة التدريس من تخصصات قريبة قد يساعد على بدء البرنامج، لكنه لا يعوض على المدى الطويل وجود متخصصين في الحقل الدقيق. كما أن الاستعانة بغير المتفرغين والممارسين مفيدة في التعليم التقني، لكنها ينبغي أن تكون عنصرًا مكملًا لقاعدة أكاديمية مستقرة، لا بديلًا عنها.
ويزداد الأمر أهمية عندما نلاحظ تقارب بعض التخصصات الجديدة مع برامج قائمة، أو استحداث برامج متشابهة في أكثر من جامعة خلال فترة زمنية قصيرة.
وهنا ينبغي أن نسأل: هل نحن أمام استجابة مدروسة لخريطة وطنية للمهارات والوظائف المستقبلية، أم أمام منافسة بين الجامعات على تقديم المسميات الأكثر جاذبية للطلبة؟
في الإدارة والتسويق هناك مفهوم يعرف بـ Cannibalization أو المزاحمة الداخلية؛ فعندما تقدم المؤسسة منتجات متقاربة جدًا دون تمايز حقيقي، قد لا توسع سوقها، وإنما تجعل المنتج الجديد يسحب الطلب من المنتج القائم. ويمكن أن يحدث الأمر نفسه أكاديميًا. فعندما تتقارب البرامج في أسمائها ومخرجاتها والفئات المستهدفة، قد يصبح نجاح برنامج على حساب آخر، وتتوزع أعداد الطلبة والكفاءات والموارد المحدودة بين برامج كان من الممكن دمجها أو تطوير مسارات تخصصية داخلها.
وهذا يقود إلى سؤال آخر: لماذا كل هذا الاستعجال؟
التكنولوجيا تتغير بسرعة، نعم، لكن سرعة التكنولوجيا لا تعني أن التخطيط الأكاديمي يجب أن يكون متسرعًا. فالجامعة لا تطلق تطبيقًا إلكترونيًا يمكن تعديله بعد أشهر، وإنما تستقبل طالبًا سيقضي سنوات من عمره في برنامج يبني عليه مستقبله المهني. وقرار الاستحداث اليوم ستظهر نتائجه الحقيقية في سوق العمل بعد أربع أو خمس سنوات.
لذلك فإن عبارة «تخصص مستقبلي» لا ينبغي أن تكون مبررًا كافيًا للاستحداث. فكثير من التخصصات التي كانت توصف قبل سنوات بأنها مطلوبة أصبحت لاحقًا مشبعة عندما توسعت الجامعات في طرحها. والطلب العالمي على مهارة معينة لا يعني تلقائيًا وجود سوق أردني قادر على استيعاب أعداد كبيرة من خريجيها.
المطلوب إذن ليس إيقاف التوسع في التعليم التقني، بل إدارته بطريقة أكثر استراتيجية. وقبل اعتماد أي برنامج جديد ينبغي نشر إجابات واضحة عن مجموعة من الأسئلة: كم يحتاج سوق العمل من خريجيه خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة؟ كم برنامجًا مشابهًا موجودًا أصلًا؟ ما نسبة التداخل مع التخصصات القائمة؟ ما القيمة الجديدة التي يقدمها؟ كم عضو هيئة تدريس متخصصًا فيه متوافر فعلًا؟ وما المختبرات والتجهيزات والشراكات الصناعية التي تم توفيرها قبل استقبال أول طالب؟
كما ينبغي ألا يكون الاعتماد حدثًا يحدث مرة واحدة عند إطلاق البرنامج، بل عملية متابعة مستمرة. فإذا حصل برنامج على الاعتماد استنادًا إلى كادر معين، فمن الضروري متابعة استمرار هذا الكادر، ونسبة المتفرغين، والتخصصات الدقيقة لأعضاء هيئة التدريس، وأعداد الطلبة، وجودة التدريب، ونسب تشغيل الخريجين.
وقد يكون أكثر كفاءة للأردن أن ينشئ مراكز تميز وطنية في بعض التخصصات التقنية المكلفة والنادرة، بدل أن تكررها جامعات عديدة، كل منها يحاول توفير الحد الأدنى من المختبرات والكفاءات. فالتميز يحتاج إلى تركيز الموارد، لا إلى تشتيتها.
إن التحول نحو التعليم التقني ضرورة وطنية، لكن نجاحه لن يقاس بعدد الكليات التي افتتحت ولا بعدد المسميات الجديدة التي أضيفت إلى أدلة القبول. المقياس الحقيقي هو نوعية الخريج وقدرته على العمل والإنتاج.
ولذلك يبقى السؤال الذي يستحق إجابة واضحة من الجامعات والجهات المنظمة للتعليم العالي: كيف نضمن ألا يسبق قبول الطلبة بناء القدرة الأكاديمية التي ستعلمهم؟ ولماذا نستحدث تخصصات متقاربة قبل أن نثبت أن لكل منها حاجة مستقلة وكفاءات متخصصة وسوق عمل واضحًا؟
ففي التعليم العالي، قد تكون كلفة التريث سنة لبناء برنامج جيد أقل بكثير من كلفة الاستعجال في تخريج جيل كامل من برنامج اكتشفنا بعد سنوات أنه لم يكن جاهزًا أصلًا.