الأردن شريك في نتائج كل صراعات الإقليم
د. منذر الحوارات
06-10-2026 12:15 AM
يحاول الأردن تجنب الانخراط العسكري في صراعات المنطقة، لكنه يجد نفسه في كل مرة، شريكاً في نتائجها، فالحرب التي لا يشارك في صنع قرارها تعبر أجواءه، وتضغط على حدوده، وتصل شظاياها وكلفتها إلى بيوت الأردنيين، لهذا يبدو السؤال عن قدرته على حماية استقراره أكثر إلحاحاً من السؤال عن قدرته على البقاء خارج الحرب، فالنأي الإيجابي بالنفس خياره الأساسي، لكن استدامة الأمن تحتاج إلى قدرة على منع الآخرين من تقرير مستقبل البلد، أو تحميله أثمان خياراتهم.
أخطر ما يواجه الأردن أن بعض هذه الصراعات يعيد تشكيل الجغرافيا من حوله، ففي فلسطين، يقود تدمير مقومات الحياة في غزة، والاستيطان والتهجير في الضفة، إلى تقويض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية، ودفع الناس إلى البحث عن حياة خارج أرضهم، وهذه نتيجة تمس الأردن في وجوده ومستقبله، مهما حاول البعض اختزال موقفه في التعاطف مع الفلسطينيين، فحين تغلق إسرائيل باب الدولة أمامهم، تفتح باب المخاطر على الأردن، وتكشف محاولات إقصاء الأحزاب الفلسطينية في أراضي عام 1948، أن التضييق يطاول أيضاً حق الفلسطينيين في التمثيل السياسي، وكل ذلك يأتي في سياق خطة إسرائيلية واحدة، ولهذا فإن حماية بقاء الفلسطينيين على أرضهم دفاع عن حقهم، هو جزء من الدفاع عن الأردن، الذي يرفض أن يصبح حلاً لمشكلة يصنعها الاحتلال.
ويأخذ هذا الخطر معنى أوسع مع التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، فمحاولات تثبيت الاحتلال شمال الأردن، إلى جانب وجوده غرباً، تضيف ضغطاً على حدوده ومصادر مياهه، وتضعه أمام جغرافيا سورية يتم تغييرها بالقوة، والمصلحة الأردنية تقتضي عودة سورية دولة موحدة قادرة على حماية أرضها وضبط حدودها، فيما يؤدي استمرار الاعتداءات والانقسامات إلى إضعاف هذه الفرصة، هنا تبرز دلالة تحذير الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة: «أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي»، وفي تقديري، يحمل هذا الكلام إلى الداخل مسؤولية الاستعداد بقدر ما يحمل إلى الخارج مسؤولية وقف التهديد.
حتى الانسحاب الأميركي من العراق فإنه يضيف للأردن مصدراً جديداً للقلق، فقد اكتمل الخروج الأميركي، بينما بقي ملف سلاح الفصائل الموالية لإيران مفتوحاً، والمشكلة في ذلك أن مغادرة قوة أجنبية لا تعني بالضرورة استعادة الدولة قرار الحرب والسلم، إذا ظل هذا القرار موزعاً بينها وبين جماعات مسلحة، صحيح أن المؤسسات العراقية باتت أقدر على تحمل المسؤولية، لكن نجاحها مرهون بقدرتها على إخضاع السلاح لسلطتها، أردنياً، المطلوب عراق يستعيد سيادته، لأن الجوار الذي تتحكم بقراره قوى متنافسة يعيد إنتاج الخطر، ولو تبدلت الأسماء والرايات.
وتكشف الحرب الأميركية الإيرانية وجهاً آخر لهذه المعادلة، فالاعتداءات الصاروخية الإيرانية على الأردن تؤكد أن رفض المشاركة في الحرب لا يحول وحده دون وصولها إليه، ثم إن اضطراب هرمز وباب المندب، وتهديد أمن الخليج، يضعان الاقتصاد الأردني أمام كلفة تتجاوز قدرته على التأثير في مسار القتال، الخليج عمق حيوي للأردن، والبحر الأحمر طريقه إلى الأسواق والإمدادات، وحين تتعرض هذه المصالح للخطر، يصبح أمن الأردنيين مرتبطاً بما يجري بعيداً عن حدودهم.
تثقل كل هذه الصراعات في الإقليم كاهل الأردن والأردنيين، فهي تضغط على حياة الناس اليومية، وتختبر قدرته على حماية أمنه واستقراره، ومع تهديد الملاحة في المضائق، فإن ذلك يضغط على حياة المواطن اليومية، على شكل ارتفاع منتجات الطاقة وأسعار الغذاء والسلع، وهكذا فإن البلد يتحمل كلفة حروب لم يكن له أي قرار في نشوئها، لكن السؤال العريض، كيف يمكن للدولة أن تدير هذا الكم من المخاطر؟ وهل تملك خطة واضحة ومتكاملة لمواجهتها؟
حتى الآن، يحافظ الأردن على استقراره، لكن تصاعد المخاطر، خصوصاً في البحر الأحمر، حيث نقطة انطلاق الأردن من وإلى العالم، يستدعي وضع خطة طوارئ واضحة تحمي إمدادات الطاقة والغذاء والسلع، وفي تقديري أن ربط الملك عبدالله الثاني هذه التهديدات بالأمن القومي الأردني يحمل رسالة واضحة إلى الداخل بضرورة الاستعداد، وهذا يقتضي استعداداً دبلوماسياً وأمنياً، وإقامة شراكات سياسية وأمنية توسع خيارات الأردن وتعزز قدرته على حماية مصالحه، وليست بكين وباريس سوى جزء من هذا المسار، والغاية امتلاك أدوات عملية للصمود وحماية البلد.
يبقى أن الاستعداد يحتاج إلى مجتمع يعرف، من خلال الإعلام، ويشارك، ويملك حق السؤال، وأقرب أبواب هذه المشاركة مجلس النواب، الذي يفترض أن يناقش المخاطر والخطط وكلفتها، وأن ينقل هموم الناس إلى صناع القرار، فما يهدد الأمن القومي يستحق نقاشاً وطنياً بحجمه، وشرحاً يتيح للمواطن فهم ما يطلب منه ولماذا، وإذا غابت المعلومات، ملأت التأويلات الفراغ، ووجد من يريد العبث باستقرار البلد ما يستثمره، الأردن شريك في نتائج صراعات الإقليم بحكم موقعه؛ فهل يصبح الأردنيون شركاء في إدارة هذه النتائج، أم يبقون وحدهم أمام كلفتها؟
الغد