إيران في العراق: أبعد من الفصائل المسلحة!
د. عمر الرداد
06-10-2026 07:36 PM
يختزل النقاش العام النفوذ الإيراني في العراق في «المليشيات الولائية»، أي الفصائل المسلحة التي تدين بالولاء العقائدي والسياسي لطهران، ولا شك أن التركيز على السلاح يحجب الصورة الأعمق، فالفصائل هي الواجهة الأكثر وضوحاً لشبكة نفوذ تغلغلت على مدى عقدين في بنية الدولة والاقتصاد والسياسة والمجتمع، لذا فإن نزع سلاح الفصائل وحده لن يغير جوهر المعادلة.
فقد بدأ التغلغل من النظام السياسي ذاته، فقد بُني العراق بعد 2003 ، وفقا لدستور بريمر،على المحاصصة الطائفية والحزبية، وكانت أحزاب وقيادات عائدة من المنفى الإيراني، مثل المجلس الأعلى وحزب الدعوة ومنظمة بدر، في موقع متقدم عند تأسيس هذا النظام، مدعومة بدور إيراني مباشر في جمع الكتل الشيعية وترجيح كفة مرشحي رئاسة الحكومة بعد انتخابات 2010 و2018، وكان قاسم سليماني يظهر فيه وسيطاً أول،ثم جاء «الإطار التنسيقي» ليصبح صاحب الكلمة في اختيار رئيس الوزراء وتوزيع الوزارات،تضم أطرافه جهات قريبة من طهران بدرجات متفاوتة،وتحولت الوزارات إلى إقطاعات حزبية، تُستخدم عقودها وتعييناتها وموازناتها أدوات تمويل ونفوذ لأحزاب مرتبطة بشبكات إقليمية.
وفي المؤسسة الأمنية يتجاوز الأمر الفصائل بمعناها الضيق، فقانون هيئة الحشد الشعبي لعام 2016 جعل الحشد مؤسسة رسمية ترتبط بالقائد العام وتتقاضى رواتبها من الموازنة، ويرى المنتقدون أن ذلك «شرعن» قوة موازية بدل أن يدمجها في الجيش، وتحول الحشد الى صيغة "حرس ثوري عراقي" وقد منح التمويل الرسمي الضخم وآلاف الوظائف الفصائل قاعدة اجتماعية ومالية دائمة، كما برز حضور شخصيات منها في مواقع أمنية واستخبارية حساسة يصعب مساءلتها، إضافة إلى شركات اقتصادية تابعة للحشد تنافس القطاع الخاص وتحصل على العقود بسهولة، وهي صورة مسحوبة عن الحرس الثوري الايراني.
أما الاقتصاد فيعده كثيرون الميدان الأعمق نفوذاً والأقل ظهوراً،فالعراق يعتمد على الغاز والكهرباء الإيرانيين لتشغيل جزء كبير من محطاته، وهذا يمنح طهران ورقة ضغط تجعل أي انقطاع سلاحاً سياسياً في صيف العراق القاسي،وهو كذلك من أكبر أسواق التصدير الإيرانية غير النفطية، بمليارات الدولارات سنوياً، وفي القطاع المصرفي، كشفت العقوبات الأمريكية على مصارف عراقية والقيود على نافذة بيع العملة في البنك المركزي عن شبكات تحويل يُشتبه في أنها تتيح لإيران الالتفاف على العقوبات،وتضاف إلى ذلك المنافذ الحدودية والموانئ المرتبطة بشبكات تهريب وجباية تستفيد منها جهات نافذة، وتقدر جهات عراقية مستقلة ان الاموال العراقية المهربة لايران تقدر باكثر من 200 مليار دولار.
ولا يقف النفوذ عند السياسة والمال،ففي القضاء، ترى أطراف عراقية أن بعض القرارات، وبخاصة من المحكمة الاتحادية، تخدم توازنات القوى القائمة لا استقلال القضاء، وإن كان إثبات الارتباط بطهران مباشرة عسيراً،وفي الإعلام، تشكل قنوات ومنصات ممولة من أحزاب وفصائل قريبة من إيران الرأي العام، وتتعامل مع الانتقاد بوصفه عمالة،وفي المجال الديني والثقافي، استثمرت إيران في العتبات والحوزات والجامعات والسياحة الدينية، فبنت نفوذاً ناعماً يتجاوز السياسة المباشرة، ويردد عراقيون أن هذا النمط أخطر من السلاح لثلاثة أسباب، فهو أولاً اندماج لا احتلال، يعمل من داخل مؤسسات شرعية ومن خلال مصالح عراقية حقيقية، فيصعب كشفه ومواجهته،وهو ثانياً قائم على اعتماد متبادل، إذ تتشابك مصالح النخب الحاكمة مع تلك الشبكات مالياً وسياسياً، فيغدو الإصلاح تهديداً لمصالحها هي،وهو ثالثاً مقاوم للإصلاح بنيوياً، لأن حل فصيل أو نزع سلاحه لا يفكك الغطاء السياسي والاقتصادي الذي يحميه، وربما كان في تصريحات هادي العامري حول مفهومه لحطورة الاصلاح ما يؤكد ذلك.
ومقابل هذه الصورة التي ترسم مشهد السيطرة الايرانية على العراق، يرى باحثون عراقيون وأجانب ان النفوذ الايراني في رأيهم ليس سيطرة، وان بعض النخب العراقية تناور وتساوم بدوافع محلية وفئوية قد تتعارض مع رغبات طهران، وان في الداخل قوى مضادة، منها مرجعية النجف التي ظلت تحمل رؤية مختلفة عن ولاية الفقيه، والتيار الصدري بخطابه العراقي المناهض للتدخل، وانتفاضة تشرين 2019 التي رفعت شعارات ضد إيران وأحرقت قنصليات لها،ثم إن للولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج نفوذاً حقيقياً في السياسة والاقتصاد والأمن العراقي، وللكرد والسنة حساباتهم وتحالفاتهم المستقلة،كما أن التطورات الإقليمية الأخيرة أضعفت شبكة حلفاء طهران وقدرتها على فرض الإيقاع، ويضيف المخالفون أن كثيراً من الفساد وضعف المؤسسات نتاج بنية المحاصصة المحلية، وأن الربط المباشر بإيران قد يخفي المسؤولية الداخلية.
وتتفق معظم القراءات إذن على أن الحضور الإيراني في العراق أوسع من ملف الفصائل المسلحة، وأنه يمتد إلى السياسة والاقتصاد والمؤسسات،أما الخلاف فهو في الوصف والحجم: هل هو «اختراق شامل» يلغي سيادة القرار، أم نفوذ كثيف لكنه متغير في بيئة عراقية متعددة الفاعلين؟ مؤكد ان العراق امام اختبار صعب، لا سيما وان ايران لن تتنازل بسهولة عن مكاسبها في العراق، مقارنة بساحات اخرى مثل لبنان واليمن وغيرها، فالعراق رئة ايران ورصيدها الاستراتيجي، وهو ما يستدعي السؤال الاهم، هل سيكون الحل في العراق على غرار سوريا الجديدة بقيادة الرئيس احمد الشرع؟