مع أن خطاب الملك في الجمعية العامة للأمم المتحدة كان وجبة دسِمة جدّا، ويصعب تجزئته في أقسام، وقطع متناثرة! ولذلك يجب أن يُقرَأ كله معًا! وليس بالفقرات، والأجزاء، ولا بالمعاني، والعبارات، والمفاهيم الداخلية!
( ١ )
قراءات الخطاب!
تعرض الخطاب لتحليلات أردنية غير مسبوقة، وكتب مئات الخبراء السياسيين عن الخطاب، وبتقديري، لم تضِف إلى الخطاب أي معنى، غير المعاني المعهودة، من تأييد، وإعجاب، وتصفيق؛ وكان الخطاب لدى الكثيرين مناسبة شخصية لهم، بدلًا من مناسبة وطنية! فالكتابات كانت أقل من مستوى الخطاب، ويترتب على القارئ أن يستنتج بعض أهدافها!
استوقفني خطاب مهم جدّا قدمه تيسير النعيمي!!
( ٢ )
تحليل النعيمي!
لم يشتهر النعيمي بكثرة الكلام، ولا ببلاغة الألفاظ، فهو علمي يكتب بموضوعية!
فماذا قال النعيمي في مقالته بعمون؟ بعنوان: قراءة في المعمار النفسي لخطاب جلالة الملك في الدورة ٨١ للجمعية العامة للأمم المتحدة.
لماذا اخترت هذه المقالة؟
شعرت بصدق الكاتب، وبعمق التحليل، وبعده عن أي غرض علمي! فماذا لو كانت مقالاتنا كلها في هذا السياق؟ طبعًا سيخسر كثيرون مساحات كانوا يحكمون السيطرة عليها!
عودة إلى تحليل النعيمي!
( ٣ )
سيكولوجية الخطاب والمقالة
بتقديري، كان خطاب النعيمي مختلفًا عما شاع في السوق! تحدث عن مصطلحات سيكولوجية، أقتطف منها:
- الانتباه، والوعي، وحين يغيب الانتباه يصبح الموقف عاديّا، لا يستوقف أحدًا!
- تكرار الحدث يحدث صلابة وتبلدًا في الوعي، وتصبح عظائم الأمور كصغائرها.
- الانحراف المعرفي، وازدواجية المعايير تخلق تبريرات منطقية لكل حدث حتى لو كان متهافتًا!
- الانفكاك الأخلاقي، حيث يتخلى المواطن عن التعاطف مع الحدث، ويتبلد العالم تجاه الأحداث الكبرى! ولذلك كان من الواجب إعادة التأطير.
- إعادة التأطير المعرفي، وإعادة الأمور إلى النبع، حيث ترتبط اللغة بالمعنى، ويرتبط الموقف بالحدث!
- وأخيرًا، الرسالة الردعية لتصحيح الأمور!
قدم النعيمي مثالًا لإسهام إيجابي في تحليل الخطاب.
( ٤ )
قراءة في المعمار التربوي للخطاب
لو ترجمنا المصطلحات السيكولوجية في خطاب الملك إلى مبادئ تعلم، يمكننا القول:
- لا يمكن أن يحدث التعلم دون انتباه، والانتباه يعني تركيز الحواس، وانغماسها في الحدث، وهذا يسمى تعلمًا لا ينسب!
- التكرار مفيد لإحداث الروابط بين مثيرات التعلم، واستجابات المتعلم، فيحدث التعلم الاقتراني العميق.
- الاتصال، والانفصال، يعني مشاركة المتعلم، وتفاعله مع الموقف. وبذلك لا يكون متلقيًا فحسب.
- الانفصال الأخلاقي، يعني تربويّا عدم اهتمام المعلم بما تقدمه المناهج من كلام لا يعنيه، فيحدث الانسداد الواعي ضد الحدث!
- إعادة التأطير، الذي يعني تصحيح المنهج، والموقف، والتدريس باتجاه ما سيحتاجه الطالب، ويريده!
( ٥ )
لو!!!!!
- ماذا لو أخذ مسؤولو التعليم، وحكام المناهج هذه المبادئ!
- ماذا لو أثار التعليم وعي الفرد، والمجتمع؟
- ماذا لو عمل التعليم على توحيد التضارب المعرفي من خلال التفكير الناقد؟
- ماذا لو أعدنا تأطير التعليم، وتأطير الإدارة، وغيرها؟
- ماذا لو جعلنا من المساءلة أداة ردعية!
وكما تضمن الخطاب معانيَ سيكولوجية، فهو مليء بالمعاني التربوية!
ولكن؟؟؟
فهمت عليّ؟!!