ثلاث سنوات من العدوان .. المنظومة الصحية في غزة تصارع للبقاء
06-10-2026 10:21 AM
عمون - ثلاث سنوات من الحرب والعدوان تركت المنظومة الصحية في قطاع غزة أمام معركة يومية للبقاء؛ مستشفيات مدمرة أو تعمل جزئيا، نقص حاد في الأدوية والمستلزمات، تراجع كبير في أعداد الأطباء والكوادر الصحية، وأجهزة تشخيص خرج معظمها عن الخدمة، فيما ينتظر آلاف المرضى الإجلاء لاستكمال علاجهم خارج القطاع.
وبينما لا تزال الإصابات الناجمة عن الحرب تتطلب رعاية طويلة ومعقدة، يواجه مرضى السرطان والفشل الكلوي والقلب والأمراض المزمنة صعوبة متزايدة في الحصول على العلاج، في ظل محدودية الخدمات الطبية وتضرر البنية التحتية الصحية.
بالنسبة للمصاب عبد الله أبو صبيح، لم تنتهِ الحرب مع توقف القصف؛ فقد أصيب في النخاع الشوكي، ما أدى إلى شلل تام أفقده القدرة على الحركة وخدمة نفسه، إضافة إلى تقرحات شديدة وضمور في العضلات وآلام متواصلة.
يقول أبو صبيح لـ"وفا" إنه يحتاج إلى عمليات معقدة في النخاع الشوكي والأطراف، مطالبًا بتسهيل إجلائه للعلاج في الخارج، بعدما استنفدت المستشفيات والأطباء في غزة ما يستطيعون تقديمه.
أما محمد الأسطل، المصاب بالفشل الكلوي، فيخضع لغسيل الكلى ثلاث مرات أسبوعيًا، ويقول إن نقص الأدوية والمستلزمات الخاصة بالغسيل، إلى جانب صعوبة الوصول إلى المستشفى وارتفاع أجور المواصلات، يجعل رحلة العلاج أكثر قسوة.
ويتنقل عمر عبد الله، المصاب بالسكري وارتفاع ضغط الدم، بين المراكز الصحية بحثًا عن الأدوية، إذ لا يتوافر العلاج كاملًا في مركز واحد، فيما يحذر من أن انقطاع الأدوية يؤدي إلى عدم استقرار حالته الصحية وما قد يترتب عليه من مضاعفات خطيرة.
ويواجه مرضى القلب أيضًا صعوبة في الحصول على الفحوصات والعلاج؛ إذ يقول يوسف أبو عرفة إن إجراء فحوص مثل تخطيط صدى القلب والتصوير المقطعي قد يستغرق أسابيع بسبب نقص الأجهزة والازدحام الشديد.
أما فاطمة أبو يوسف، مريضة السرطان، فتقول إن نقص أدوية العلاج الكيماوي والمسكنات والأدوية المساندة يزيد معاناتها، في وقت يحتاج فيه مرضى الأورام إلى علاج منتظم ومتخصص.
ويقول مدير مستشفى التحرير في مجمع ناصر الطبي، الدكتور أحمد الفرا، لـ"وفا"، إن المؤشرات الحالية تعكس تآكلًا خطيرًا في قدرة المنظومة الصحية على تقديم خدماتها.
ويشير إلى أن 22 مستشفى فقط تعمل في القطاع من أصل 38 قبل الحرب، بينها خمسة مستشفيات حكومية و17 مستشفى أهليا، وبقدرات محدودة، فيما تراجعت الطاقة السريرية إلى نحو 2637 سريرا، مقارنة بنحو 3950 سريرًا قبل الحرب، دون احتساب أسرة المستشفيات الميدانية.
ويضيف أن 62% من أجهزة التصوير التشخيصي الطبية خرجت من الخدمة، ولم يعد في القطاع أي جهاز للرنين المغناطيسي من أصل تسعة، ولا أي جهاز للتنظير التلفزيوني من أصل ثمانية، إضافة إلى توقف أجهزة تفتيت الحصى الأربعة، مع نقص حاد في أجهزة التصوير المقطعي.
كما تراجعت أعداد الكوادر الصحية، إذ فقد القطاع نحو 19.2% من العاملين، فيما انخفض عدد الأطباء بنسبة 34.6%، ولم يتبق سوى نحو 1363 طبيبا، بحسب الفرا.
ويشير إلى أن بعض التخصصات أصبحت على حافة الانهيار، بعد مغادرة 296 طبيبا القطاع، إذ انخفض عدد أطباء أمراض الدم من خمسة إلى اثنين، وأطباء جراحة القلب من أربعة إلى اثنين، وأطباء العناية المركزة من أربعة إلى اثنين، وأطباء النساء والولادة من 70 إلى 29 طبيبا.
ويقول الفرا إن 44% من الأدوية الأساسية المنقذة للحياة رصيدها صفر، فيما يبلغ العجز في المستلزمات الطبية 44%، ومتوسط العجز الدوائي 48%، مع نقص حاد في مستلزمات التخدير والأنسولين والمحاليل وأدوية العلاج الكيماوي.
ويضيف أن خدمات جراحة القلب المفتوح وزراعة الأعضاء والعلاج الإشعاعي متوقفة، فيما تعاني جراحات العيون والقسطرة من عجز كبير في المستلزمات.
وتبقى قضية الإجلاء الطبي واحدة من أكثر الملفات إلحاحا؛ إذ يشير الفرا إلى وفاة 2027 مريضا أثناء انتظار الموافقة على السفر، فيما لا يزال نحو 21 ألف مريض بحاجة إلى الإجلاء لاستكمال علاجهم في الخارج، بينهم 5803 أطفال ونحو 2800 مريض بالسرطان.
ويؤكد أن محافظتي شمال القطاع ورفح تفتقران إلى الرعاية الصحية الكافية، وأن المنظومة تعتمد بشكل حرج على ثمانية مستشفيات ميدانية تديرها جهات دولية.
ومع حلول شهر التوعية بسرطان الثدي، يقول مدير مركز غزة للسرطان الدكتور محمد أبو ندى لـ"وفا"، إن مرضى الأورام يواجهون نقصا حادا في أجهزة التشخيص والأدوية والمستلزمات والعلاجات الأساسية.
ويشير إلى محدودية أجهزة الكشف المبكر، ونقص أجهزة تصوير الثدي "ماموغرام" والمستلزمات المخبرية، إلى جانب النقص في أدوية العلاج الكيماوي والعلاجات الهرمونية والموجهة والمسكنات، وصعوبة مغادرة المرضى القطاع لتلقي العلاج الإشعاعي والجراحات المتخصصة.
ووفق أبو ندى، كانت غزة تسجل نحو 360 حالة سرطان سنويا قبل الحرب، بينما سُجلت نحو 250 حالة عام 2024 و260 حالة عام 2025، مؤكدًا أن الأرقام لا تعكس بالضرورة العدد الحقيقي للحالات الجديدة بسبب تراجع خدمات التشخيص والنزوح وعدم الاستقرار.
ولا تقتصر الأزمة على المصابين جراء الحرب؛ إذ يواجه مرضى الأمراض المزمنة والأطفال والحوامل مخاطر متزايدة.
ويشير الفرا إلى أن نحو 30% من الحوامل في حالات خطرة، وأن 40% من الولادات القيصرية تُجرى كتدخلات عاجلة، فيما تراجعت حضانات الخدج من 162 إلى 122 حضانة، في ظل احتياجات متزايدة.
كما يوجد، وفق بياناته، نحو 84 ألف مريض سكري، بينهم 2432 يعتمدون على الأنسولين، إضافة إلى ارتفاع أعداد مرضى ارتفاع ضغط الدم.
وتفاقمت في الوقت ذاته مخاطر سوء التغذية والأمراض المعدية نتيجة الاكتظاظ وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي، فيما ارتفعت حالات دخول الأطفال للمستشفيات بسبب سوء التغذية المعقدة.
ويقول الناطق باسم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني رائد النمس لـ"وفا"، إن القطاع الصحي لا يزال يواجه تحديات كبيرة بعد ثلاث سنوات من الحرب، في ظل الأضرار التي لحقت بالمنشآت الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات والاحتياجات المتزايدة للسكان.
ويحذر من تفاقم الأوضاع مع اقتراب فصل الشتاء، خصوصًا بين النازحين الذين يعيشون في ظروف صعبة، مؤكدا استمرار طواقم الهلال الأحمر في تقديم خدمات الإسعاف والطوارئ والرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية وفق الإمكانيات المتاحة.
وأكدت منظمة الصحة العالمية أن قطاع غزة يعاني شحا حادا في الأدوية والمعدات الطبية، وأنه لا يوجد مستشفى يعمل بكامل طاقته، فيما تعمل مستشفيات عدة بصورة جزئية فقط.
وأشارت إلى أن الحرب خلفت أعدادا كبيرة من الإصابات الخطيرة، بما فيها البتر وإصابات الأطراف والجهاز العصبي، وهي إصابات تحتاج إلى جراحات متخصصة وإعادة تأهيل طويل الأمد، في وقت تظل فيه قدرة القطاع على توفير الأطراف الصناعية وخدمات التأهيل محدودة للغاية.
وبحسب المنظمة، أُجلي منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 نحو 12,400 مريض لتلقي العلاج خارج القطاع، إلا أن عشرات الآلاف لا يزالون بحاجة إلى رعاية متخصصة غير متوفرة في غزة.
ويعد مرضى الفشل الكلوي من أكثر الفئات هشاشة، إذ يحتاج نحو 700 مريض إلى جلسات غسيل الكلى ثلاث مرات أسبوعيا، بينما أدى نقص بعض المستلزمات إلى تقليص قدرة بعض مراكز الغسيل على تقديم الخدمة.
كما تضررت خدمات علاج السرطان والأمراض المزمنة وصحة الأم والطفل وحديثي الولادة، إضافة إلى خدمات القلب والكلى والأمراض المعدية والإسعاف والطوارئ، بسبب نقص الأدوية والمعدات والكوادر والطاقة وقطع الغيار.
وأمام هذا الواقع، يطالب الفرا بفتح المعابر وضمان التدفق غير المشروط للأدوية والمستلزمات الطبية، ورفع القيود المفروضة على الإجلاء الطبي، والسماح بدخول الوفود الطبية المتخصصة والطواقم الدولية لتعويض النقص الحاد في الكوادر.
كما يشدد على ضرورة إعادة تأهيل المستشفيات المدمرة واستعادة القدرة السريرية، وضمان إدخال الوقود وقطع الغيار اللازمة لتشغيل الأجهزة والمرافق الصحية.
بعد ثلاث سنوات من الحرب، لم تعد المنظومة الصحية في غزة تواجه أزمة مؤقتة، بل خطر فقدان قدرتها على أداء وظائفها الأساسية؛ وفي المقابل، تتزايد أعداد المرضى الذين لا يملكون ترف الانتظار، بين جريح يحتاج إلى عملية، ومريض سرطان ينتظر جرعته، ومريض كلى يخشى انقطاع جلسة الغسيل، وطفل يحتاج إلى حضانة، ومريض ينتظر تصريحا قد يأتي بعد فوات الأوان.
وفا