الوظيفة تنتهي، أما الرسالة فلا تنتهي ..
د. محمود أبو رمان
06-10-2026 10:55 AM
بعد أكثر من عشرين عامًا في رحاب القضاء الشرعي، أمضيتُ خلالها سنواتٍ من العمل والعطاء، وقدّمتُ ما استطعت من جهد، وما وفّقني الله إليه من إنجازات وإسهامات علمية وعملية، مؤمنًا بأن الوظيفة أمانة، وأن خدمة الوطن رسالة، وأن المسؤولية لا تُقاس بموقع الإنسان، وإنما بما يتركه من أثر.
وخلال مسيرتي الأخيرة، خضتُ معركةً قانونية في التظلّم من قرار الاستيداع، ولم تكن معركتي يومًا حرصًا على كرسي، أو تشبثًا بمنصب، أو بحثًا عن سلطة؛ وإنما كانت دفاعًا مشروعًا عن حق، وتمسكًا بالقانون، وممارسةً لحقوقٍ كفلها الدستور، وإيمانًا بأن احترام القانون لا يكون فقط عندما يكون في صالحنا، بل حين يكون ميزانًا نحتكم إليه جميعًا.
واليوم، وبعد أن أدّيت ما أراه واجبي، اخترتُ أن أستخدم حقي القانوني في إحالة نفسي إلى التقاعد، بإرادتي وقناعتي، مطمئنًا إلى أن الإنسان قد يغادر الوظيفة، لكنه لا يغادر رسالته، وأن المنصب مرحلة، أما الأثر فباقٍ.
أغادر موقعي الوظيفي، ولا أغادر قيمي، ولا علمي، ولا قناعتي بأن الإصلاح يبدأ بفكرة، وأن خدمة الناس لا تحتاج دائمًا إلى منصب، وأن كلمة الحق إذا قيلت بأدبٍ وتجردٍ يمكن أن تكون أبلغ من كثير من المواقع.
وأغادر هذه المرحلة وأنا أحمل في قلبي كل الاحترام لكل من عملت معهم، ولكل من شاركني الطريق، ولكل من اختلف معي أو اتفق، وأترك وراءي سنواتٍ من العمل أشهد الله أنني بذلت فيها وسعي، وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من تقصير فمن نفسي.
أسأل الله تعالى أن يكتب لي التوفيق والسداد فيما هو قادم، وأن يجعل ما مضى من سنوات الخدمة في ميزان حسناتي، وأن يفتح لي أبوابًا جديدة أستطيع من خلالها أن أواصل العطاء، وأن أخدم القانون والعدالة والأسرة والمجتمع، بعيدًا عن قيود المنصب، وقريبًا من رسالةٍ أؤمن بها.
واسأل الله تعالى ان يوفقنا جميعا لما فيه خدمة البلاد والعباد في ظل قيادتنا الهاشمية وان يحفظ بلادنا وشعبنا من كل مكروه وان يديم علينا نعمه ظاهرة وباطنة ..
فالوظيفة تنتهي، أما الرسالة فلا تنتهي.
والمناصب تتغير، أما الأثر فيبقى.
والله خير الشاهدين.