حين تتقدم السلطة على المعرفة
أ. د. هاني الضمور
06-10-2026 11:14 AM
ليست أخطر مشكلات التعليم في امتحان مرتبك، ولا في نظام قبول مختلف عليه، ولا في قرار يتغير كل بضعة أعوام. هذه أعراض لمشكلة أعمق: أن تتقدم سلطة المنصب على سلطة المعرفة، وأن يصبح الدفاع عن القرار أهم من مراجعة نتائجه.
فكل منظومة تعليمية يمكن أن تخطئ، وكل إصلاح قابل للمراجعة. لكن المشكلة تبدأ حين تتراكم الأدلة، ويحذر الخبراء، ويشكو المعلمون والأهالي، وتظهر النتائج، ثم يستمر النهج ذاته وكأن شيئًا لم يحدث. عندها لا نكون أمام خطأ تعليمي فحسب، بل أمام خلل في طريقة صناعة القرار.
منذ سنوات تتوالى موجات ما يسمى «الإصلاح»: تتغير أنظمة الامتحانات، وتتبدل قواعد القبول، ويعيش الطلبة وأسرهم قلق الانتقال من تجربة إلى أخرى. يكتب الأكاديميون، ويحذر التربويون، ويتحدث المعلمون، ثم تمضي القرارات. والسؤال ليس: كم خبيرًا استُشير؟ بل: كم مرة غيّر رأي الخبراء قرارًا كان في طريقه إلى التنفيذ؟
فالاستشارة التي لا تستطيع التأثير ليست مشاركة حقيقية؛ وقد تصبح مجرد غطاء مؤسسي يمنح القرار مظهرًا علميًا دون أن يمنحه جوهر العلم.
والتعليم ليس ميدانًا مناسبًا للتجربة والخطأ. إذا أخطأت شركة في منتج، تسحبه من السوق. وإذا أخطأ مصنع، يوقف خط الإنتاج. أما الخطأ في تعليم طفل فلا يمكن سحبه أو استبداله. لا توجد خاصية لإعادة ضبط الطفولة، ولا يملك طالب الثانوية عامًا بديلًا يعوّض به ارتباك السياسات.
وفي المشهد ذاته، يغادر آلاف الطلبة سنويًا للدراسة في الخارج، وتخرج معهم مدخرات أسرهم، بينما تضيق فرص القبول في بعض التخصصات داخل الجامعات الرسمية، وتتوسع مسارات أخرى في التعليم الجامعي. قد يكون لكل قرار منفرد منطقه، لكن اجتماع هذه القرارات يفرض سؤالًا أكبر: أين الرؤية المتكاملة؟
أين السياسة التي تربط أعداد المقبولين بالطاقة الاستيعابية والجودة وسوق العمل؟ وأين الحساب الاقتصادي لما تنفقه الأسر على تعليم أبنائها في الخارج؟ وأين التخطيط الذي يسأل إن كان بالإمكان استثمار جزء من هذه الموارد في بناء قدرات تعليمية وبحثية أفضل في الداخل؟
لا يحتاج التعليم إلى توسع بلا حساب، ولا إلى تقليص بلا أفق؛ بل إلى قرار يمكن تفسير منطقه بالأرقام والأدلة، لا أن يُطلب من المجتمع الثقة بصحته لمجرد صدوره.
ثم يأتي المعلم. نحتفل به ونصفه بباني الأجيال، ثم يعود إلى أعبائه الاقتصادية والمهنية، وربما ينتظر مستحقًا عن عمل أنجزه. والأشد مفارقة أن من نصفه بصانع الأجيال قد يكون آخر من يُسأل عن السياسات التي ستصنع تلك الأجيال.
المعلم لا يحتاج إلى يوم احتفالي بقدر ما يحتاج إلى مكان حقيقي على طاولة القرار.
ومع ذلك، فالقضية ليست تخصص المسؤول أو شهادته. ليس كل تربوي قائدًا ناجحًا، وليس غير التربوي عاجزًا بالضرورة عن إدارة التعليم. القضية أعمق: هل يعرف صاحب القرار حدود معرفته؟
العالم الحقيقي يزداد تواضعًا كلما اتسعت معرفته. يقول: قد أكون مخطئًا، نحتاج إلى بيانات، دعونا نختبر النتائج. تلك ليست هشاشة؛ إنها أخلاق المعرفة.
أما عندما تقترن المعرفة المحدودة بسلطة واسعة، فقد يصبح الشك ضعفًا، والتراجع هزيمة، والنقد تهديدًا، ويتحول القرار من وسيلة لتحقيق غاية إلى موقف يجب الدفاع عنه.
وهنا تكمن المفارقة: العالم يعرف مقدار ما يجهله، بينما قد يجهل غير المتخصص مقدار ما لا يعرف.
وكل مسؤول يمكن أن يخطئ. لكن هناك لحظة يتحول فيها الخطأ من اجتهاد إلى مسؤولية: عندما تتراكم التحذيرات، وتظهر النتائج، ويصبح الخلل معروفًا، ثم يستمر النهج نفسه.
فالخطأ الأول قد يكون اجتهادًا؛ أما الإصرار عليه بعد ظهور الدليل فهو اختيار.
قوة المؤسسات لا تُقاس بادعائها أنها لا تخطئ، بل بقدرتها على اكتشاف الخطأ وتصحيحه. والمسؤول القوي ليس من لا يتراجع، بل من يستطيع أن يقول: راجعنا الأدلة، ولم تحقق السياسة أهدافها، ولذلك سنغيرها.
في العلم، لا يفقد الباحث احترامه عندما يتخلى عن فرضية دحضتها الأدلة؛ بل يفقده إذا تجاهل الأدلة لينقذ فرضيته. فلماذا يصبح التواضع أمام الحقيقة فضيلة في الجامعة، وضعفًا في موقع القرار؟
وفي تراثنا تحذير بالغ الدلالة: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». وإسناد الأمر إلى أهله لا يعني البحث عن شخص يعرف كل شيء؛ فهذا الشخص غير موجود. بل يعني بناء مؤسسات تجعل المعرفة تسبق القرار، والدليل يسبق اليقين، والمراجعة تسبق المكابرة.
المسؤولون يرحلون، والحكومات تتغير، والخطط تُستبدل؛ لكن الطفل الذي مسته سياسة تعليمية خاطئة سيكبر حاملًا آثارها.
ولهذا، قبل أي «إصلاح» جديد، تكفي ثلاثة أسئلة:
من يعرف؟ ماذا تقول الأدلة؟ ومن سيدفع الثمن إن كنا مخطئين؟
فأزمة التعليم لا تبدأ عندما يصمت أهل المعرفة؛ بل عندما يتكلمون، ولا يجدون من يرى أن الاستماع إليهم جزء من صناعة القرار.