facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




دمج الوزارات وإلغاء الهيئات .. إصلاح مؤجل أم ضرورة اقتصادية؟


د. مثقال القرالة
06-10-2026 10:58 AM

كلما اشتدت الضغوط على المالية العامة في الأردن، عاد النقاش إلى زيادة الإيرادات وترشيد الدعم والبحث عن مصادر جديدة لتمويل الخزينة، بينما يبقى سؤال آخر أقل حضوراً: هل راجعت الدولة كلفة جهازها الإداري قبل أن تطلب المزيد من المواطن؟ القضية ليست راتب وزير أو سيارة رسمية، بل شبكة واسعة من الوزارات والهيئات والمؤسسات والمديريات والمباني والخدمات المساندة التي تراكمت عبر سنوات، وأصبح بعضها يتقاطع في الاختصاص والوظيفة.

ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على دمج الوزارات، بل أن يعيد هندسة الجهاز الحكومي كاملاً: وزارة وهيئة وموظفاً ومبنى وإجراءً وموازنة.

يمكن للأردن أن يضع هدفاً جريئاً يتمثل في حكومة لا تتجاوز 15 وزارة قوية، مع دمج الملفات المتقاربة: الاقتصاد والتجارة والصناعة والاستثمار والتخطيط في وزارة واحدة؛ الأشغال والنقل والإسكان في وزارة للبنية التحتية والنقل؛ الطاقة والمياه والثروة المعدنية في وزارة للموارد الاستراتيجية؛ العمل والتنمية والحماية الاجتماعية في وزارة واحدة؛ الزراعة والبيئة والأمن الغذائي في مظلة واحدة؛ والسياحة والثقافة والآثار والشباب في وزارة واحدة، إلى جانب الوزارات السيادية والخدمية الأساسية. والرقم 15 ليس مقدساً، لكنه يطرح السؤال الأهم: هل كل حقيبة قائمة تحتاج فعلاً إلى وزارة مستقلة، أم أن بعض الملفات يمكن إدارتها بكفاءة أكبر تحت مظلة واحدة؟

لكن تخفيض عدد الوزارات دون معالجة الهيئات والمؤسسات المستقلة سيكون إصلاحاً ناقصاً. يجب إخضاع كل هيئة لاختبار واضح: ما الذي تقوم به ولا تستطيع الوزارة المختصة القيام به؟ ولماذا تحتاج إلى إدارة وموازنة واستقلال مؤسسي؟ فعندما توجد وزارة للسياحة، ينبغي دراسة ما إذا كانت هيئة تنشيط السياحة تحتاج إلى كيان مستقل أم يمكن أن تصبح ذراعاً متخصصة داخل الوزارة. وعندما توجد وزارة للنقل، يجب مراجعة ضرورة بقاء هيئة تنظيم النقل البري مستقلة إذا أمكن أداء وظائفها التنظيمية داخل هيكل يضمن الفصل بين التنظيم والتنفيذ. وفي نموذج وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة والاستثمار، لا حاجة إلى إعادة إنتاج هيئة استثمار موازية للوزارة، بل إلى نافذة استثمار حقيقية داخل منظومة اقتصادية واحدة. وفي المقابل، يجب الحفاظ على استقلال الهيئات التي تقتضي طبيعة عملها الرقابية أو التنظيمية استقلالها عن الوزارة التي تراقب قطاعها. القاعدة يجب أن تكون: لا هيئة مستقلة إلا لضرورة مثبتة، لا لمجرد أن وجودها أصبح أمراً معتاداً.

ويبقى ملف الموظفين هو الأكثر حساسية. الإصلاح لا يعني فصل الموظفين وتحميلهم مسؤولية أخطاء الهيكلة، لكنه أيضاً لا يعني الاحتفاظ إلى الأبد بوظائف لم تعد الدولة بحاجة إليها. المطلوب مسح شامل لعبء العمل لتحديد الفائض والنقص، ثم إعادة توزيع الموظفين بين الوزارات والمؤسسات، وإعادة تأهيلهم للوظائف التي تحتاجها الدولة، مع التقاعد المبكر الاختياري والحوافز المناسبة للخروج الطوعي، ووقف التعيين في التخصصات التي يظهر فيها فائض، وعدم إعادة إشغال الوظائف التي تلغي الرقمنة الحاجة إليها. فالدولة صاحب عمل واحد؛ ومن غير المنطقي وجود فائض في مؤسسة بينما تعيّن مؤسسة أخرى موظفين جدد لأعمال يستطيع موظفو القطاع العام الحاليون القيام بها.

والإصلاح يجب أن يصل إلى المباني الحكومية أيضاً. ينبغي إنشاء سجل موحد يبين المباني التي تملكها الدولة، ونسب إشغالها، والمباني المستأجرة وكلفتها. وبعد دمج الوزارات والهيئات، تكون الأولوية لإخلاء المباني المستأجرة ونقل الجهات الحكومية إلى العقارات المملوكة للدولة، وتجميع الجهات المتقاربة في مجمعات حكومية مشتركة. أما المباني والأراضي التي لا تحتاجها الدولة مستقبلاً فيمكن استثمارها أو تأجيرها أو منح حق الانتفاع بها، أو بيع غير الاستراتيجي منها وفق إجراءات شفافة، وتوجيه العائد نحو تخفيض الدين أو الإنفاق الرأسمالي بدل تحويله إلى نفقات جارية جديدة. والأمر نفسه يجب أن يشمل السيارات الحكومية والمشتريات والصيانة وتقنية المعلومات والحراسة والخدمات المساندة التي يمكن توحيدها بدل تكرارها في كل وزارة وهيئة.

والأهم ألا يتحول الدمج إلى تغيير أسماء ولافتات. إذا دمجنا وزارتين وأبقينا المبنيين والمديريات والخدمات المساندة والأعداد نفسها من المناصب والسيارات، فإننا لم نوفر شيئاً. كل عملية دمج يجب أن تعلن معها أرقام محددة: كم مديرية ستلغى؟ كم مبنى مستأجراً سيتم إخلاؤه؟ كم وظيفة شاغرة لن يعاد إشغالها؟ وما حجم الوفر المتوقع خلال ثلاث وخمس سنوات؟ عندها يصبح الإصلاح قابلاً للقياس والمساءلة، وليس مجرد خبر عن إعادة هيكلة حكومية.

ويمكن أن تتشكل الحكومة المقترحة من 15 وزارة: رئاسة الوزراء والدفاع؛ الداخلية؛ الخارجية وشؤون المغتربين؛ العدل؛ المالية؛ الاقتصاد والتجارة والصناعة والاستثمار والتخطيط؛ التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية؛ الصحة؛ العمل والتنمية والحماية الاجتماعية؛ البنية التحتية والنقل والإسكان؛ الطاقة والمياه والثروة المعدنية؛ الزراعة والبيئة والأمن الغذائي؛ الإدارة المحلية والتنمية الإقليمية؛ السياحة والثقافة والآثار والشباب؛ والاقتصاد الرقمي والتحول الحكومي.

أما بقية الوظائف الحكومية فتوزع على هذه الوزارات أو رئاسة الوزراء، مع الإبقاء فقط على الهيئات التي تستطيع إثبات الحاجة القانونية أو الرقابية أو الفنية إلى استقلالها.

الأردن لا يحتاج إلى دولة أقل حضوراً، بل إلى دولة أقل تشعباً وأكثر قدرة على الإنجاز. فالإصلاح المالي لا يبدأ دائماً من الضرائب والرسوم، وقد يبدأ من هيئة مكررة، ومديرية زائدة، ومبنى مستأجر، وأصل حكومي معطل، ووظيفة لم تعد هناك حاجة لإعادة إشغالها، وإجراء بيروقراطي تستطيع التكنولوجيا إنهاءه في دقائق.

وقبل أن تبحث الحكومة عن دينار إضافي في جيب المواطن، من حق المواطن أن يسأل: كم ديناراً تستطيع الحكومة أن توفره أولاً من كلفة إدارتها لنفسها؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :