السردية الأردنية مع لينا مشربش… استثمار في هوية وطن يستحق الدعم
م. وائل سامي السماعين
07-10-2026 04:51 PM
تقوم الحكومة الأردنية اليوم بجهد مهم لتوثيق السردية الأردنية، بمشاركة عدد من الشخصيات الثقافية والفكرية، بهدف حفظ تاريخ الأردن وذاكرته ونقلهما إلى الأجيال القادمة. لكن إلى جانب السردية المكتوبة، نحن بحاجة أيضاً إلى سردية حية بالصوت والصورة، تذهب إلى الناس في مدنهم وقراهم وبواديهم، وتترك لهم المجال ليرووا حكاية الأردن بأنفسهم.
ومن هنا تأتي أهمية ما تقوم به الإعلامية الأردنية لينا مشربش، التي بدأت من مدينة السلط عملاً جميلاً يوثق المكان والإنسان والعادات والتقاليد والطعام واللباس واللهجات والموروث الشعبي. وهي فكرة يمكن أن تتوسع لتشمل جميع محافظات المملكة.
وأثناء متابعتي لهذا العمل تذكرت برنامج «يسعد صباحك» في ثمانينيات القرن الماضي، وكيف استطاع التلفزيون الأردني أن يقدم الأردن وأهله وتراثه بصورة بسيطة وقريبة من الناس. ولم يكن تأثيره محلياً فقط؛ فما زلت أذكر أصدقاء لي من دول الخليج كانوا يتابعونه ويتعرفون من خلاله إلى الأردن.
واليوم أصبحت الإمكانات الفنية والتقنية أكبر بكثير، ولذلك يمكن تحويل هذه الفكرة إلى مشروع وطني متكامل، بتصوير وإخراج احترافيين، يوثق حكايات كبار السن والمزارعين وأصحاب الحرف والنساء والشباب، ويحفظ البيوت القديمة والأسواق والأهازيج واللهجات والأزياء والعادات والتقاليد قبل أن يطوي الزمن بعضها.
فالسردية الأردنية ليست فقط ماذا كان أجدادنا يأكلون أو يلبسون، بل هي قصة الإنسان الأردني وتشكّل المجتمع والدولة. وهي أيضاً قصة بلد استقبل عبر تاريخه موجات من اللاجئين والقادمين من أصول ومنابت وديانات متعددة، وفتح أمامهم المجال للعمل والبناء إلى جانب أبناء البلد، حتى أصبحوا جزءاً من نسيجه الاجتماعي.
ولعل من القصص التي تستحق التوثيق ما شهدته الكرك قبل أكثر من مئة عام عندما استقبل أهلها أرمنًا مسيحيين فرّوا من المذابح والاضطهاد في الدولة العثمانية. ففي زمن كانت فيه مناطق كثيرة من العالم تشهد صراعات واضطهاداً على أساس العرق أو الدين أو الهوية، كان لدى الأردنيين ميثاقهم الإنساني غير المكتوب: إكرام الضيف، وإغاثة المستجير، وحماية من يلجأ إليهم، واحترام الجار والعيش مع الآخر.
والمؤسف أن العالم، رغم ما جاء لاحقاً من مواثيق دولية لحقوق الإنسان، ما زال حتى يومنا هذا يشهد الكراهية والتمييز والصراعات. أما تلك القيم التي مارسها آباؤنا وأجدادنا بالفطرة، فهي جزء من السردية الأردنية التي تستحق هي الأخرى أن تُروى وتوثق. والشاهد عليها موجات من اللاجئين والقادمين من أعراق وديانات وأصول مختلفة، استقر كثير منهم في الأردن وأصبحوا جزءاً من مجتمعه ومسيرته.
ولهذا أصف الأردن أحياناً بأنه «أميركا الشرق»؛ ليس بحجمه أو موارده، وإنما بقدرته على الاستيعاب والتعايش والبناء المشترك. فالتنوع في الأردن لم يكن مجرد وجود جماعات مختلفة على أرض واحدة، بل أصبح مع الزمن مشاركة في بناء المجتمع والدولة.
ومن هنا تأتي الدعوة إلى التلفزيون الأردني والقنوات والمنصات الأردنية، ومعها القطاع الخاص، لدعم هذه الفكرة وتوفير الإمكانات الفنية والإنتاجية اللازمة لتطويرها. فدعم مثل هذا المشروع ليس مجرد تمويل لبرنامج تلفزيوني، بل هو استثمار في هوية وطن وحفظ لذاكرته.
لقد بدأت لينا مشربش الحكاية من السلط، فلماذا لا تمتد الكاميرا غداً إلى الكرك ومادبا وإربد وعجلون وجرش والمفرق والزرقاء والطفيلة ومعان والعقبة والبادية، لتبحث في ذاكرة المكان وتستمع إلى أهله، حتى نرى الأردن ونسمعه كما يرويه الأردنيون أنفسهم؟
فالسردية الأردنية ذاكرة وطن، وحفظها بالصوت والصورة مسؤولية تستحق أن نتشارك فيها جميعاً.