سيناء وفلسطين بين الوثيقة والادعاء الاسرائيلي
د.عبدالفتاح طوقان
08-10-2026 07:19 PM
اثناء دراستي لماجستير القانًون الدولي في جامعة ليفربول كان من المواد العلمية الأساسية المقررة هي المعاهدات والاتفاقيات والحدود الدولية ومن ضمنها قمت بدراسة قانونية وبحث في الحدود العثمانية–المصرية والسجلات البريطانية لتفنيد الادعاءات الاسرائيلية حول سيناء .
وكانت تتردد أحيانًا مقولة مفادها أن "شبه جزيرة سيناء كانت جزءًا من فلسطين" ثم نقلتها بريطانيا إلى مصر لأسباب سياسية.
وتحاول إسرائيل اعتماد ذلك باقتطاع جزءا من سيناء لترحيل الفلسطينيون اليها واعتبارها حقا مسترجعا لاقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الارض المصرية .
غير أن مراجعتي لكل الوثائق العثمانية والبريطانية والاتفاقات الدولية لا تؤيد هذه الصياغة بوصفها حقيقة قانونية ثابتة.
وتشير الأدلة المتاحة إلى أن سيناء كانت مرتبطة إداريًا وسياسيًا بمصر الخديوية، مع بقاء السيادة الاسمية العليا للدولة العثمانية، وأن الحدود الشرقية لمصر جرى تثبيتها تدريجيًا، ولا سيما باتفاقات عام ١٩٠٦ .
أما فلسطين، بالمفهوم القانوني الدولي الذي ظهر لاحقًا، فقد تحددت حدودها ضمن نظام الانتداب بعد الحرب العالمية الأولى، ولم تشمل شبه جزيرة سيناء.
وهنا اود ان اذكر التالي ومنها أولًا: الوضع القانوني لمصر وسيناء في العهد العثماني
كان الخديوي يحكم مصر حكمًا وراثيًا واسع الاستقلال، مع بقاء مصر من الناحية الاسمية ضمن الدولة العثمانية. وقد كرّس فرمان عام ١٨٤١ وضع الأسرة المحمدية العلوية في حكم مصر، وأصبح هذا الفرمان أساسًا لتحديد نطاق الإدارة المصرية.
ولا يعني ارتباط مصر بالدولة العثمانية أن جميع الأراضي الواقعة شرق النيل كانت جزءًا من فلسطين. فالتقسيمات العثمانية كانت إدارية، وتغيرت بمرور الزمن، كما أن مصطلح «فلسطين» لم يكن آنذاك اسم دولة ذات سيادة أو حدود دولية ثابتة.
وتؤكد السجلات البريطانية أن سيناء كانت تُدار عمليًا من جانب مصر قبل أزمة عام ١٩٠٦ وأن الخلاف لم يكن بين مصر وفلسطين، بل بين الإدارة المصرية والسلطات العثمانية بشأن موضع الحدود الشرقية ومناطق مثل طابا والعقبة.
ثانيا: برقية ٨ أبريل ١٨٩٢ حيث وجّه الصدر الأعظم العثماني برقية إلى الخديوي عباس حلمي الثاني تناولت وضع سيناء والحدود المصرية–العثمانية.
وتكشف المراسلات اللاحقة أن تفسير هذه البرقية أصبح موضع خلاف:
- رأت مصر وبريطانيا أنها تؤكد استمرار الوضع الإداري القائم في سيناء.
- رأت الدولة العثمانية أن البرقية لا تحسم السيادة على كامل شبه الجزيرة.
- أدى اختلاف التفسير إلى أزمة حدودية انتهت بالتدخل الدبلوماسي البريطاني.
ولا تتضمن البرقية نقل سيناء من فلسطين إلى مصر، ولا تشير إلى وجود قرار بريطاني بتغيير تبعية إقليم فلسطيني.
ثالثًا: أزمة طابا وتدخل بريطانيا عام ١٩٠٦ حيث انه في يناير من العام ١٩٠٦ تقدمت القوات العثمانية إلى مناطق قريبة من طابا، فاعتبرت بريطانيا ذلك تهديدًا للوضع القائم ولأمن مصر وقناة السويس. وأعلنت الحكومة البريطانية أن الخلاف يستلزم ترسيمًا مشتركًا للحدود، وطالبت بانسحاب القوات العثمانية من طابا.
وقد أودعت الحكومة البريطانية في البرلمان وثيقة رسمية بعنوان:
**Correspondence Respecting the Turco-Egyptian Frontier in the Sinai Peninsula**
وتضمنت هذه الوثيقة المراسلات والخرائط والتقارير المتعلقة بحدود سيناء، وهي من أهم المصادر البريطانية الأولية لدراسة المسألة.
رابعًا: مذكرات ١٤ و١٥ مايو ١٩٠٦ حيث جرى تبادل مذكرات بين بريطانيا والدولة العثمانية بشأن خط الحدود في شبه جزيرة سيناء.
وتضمن التفاهم اعتماد خط يبدأ من "رفح" ويتجه جنوبًا شرقيًا نحو رأس خليج العقبة. وكان الغرض من هذا الخط تثبيت الحدود الإدارية القائمة بين مصر من جهة، والولايات العثمانية من جهة أخرى.
وتظهر الوثائق أن بريطانيا لم تكن تنقل سيناء من فلسطين إلى مصر، بل كانت تضغط على الدولة العثمانية لقبول ترسيم حدودي يمنع وقوع نزاع مسلح ويثبت الإدارة المصرية القائمة.
وقد خلصت دراسة متخصصة في تاريخ الحدود إلى أن دوافع التدخل البريطاني شملت حماية الأمن في المنطقة ومنع الدولة العثمانية من تغيير الوضع القائم أو مد نفوذها باتجاه قناة السويس.
خامسًا: اتفاق الاول أكتوبر ١٩٠٦ الذي تم فيه تثبيت خط الفصل الإداري بين مصر والأراضي العثمانية.
وتكمن أهمية الاتفاق في أنه:
1. رسم خطًا حدوديًا بين رفح وخليج العقبة.
2. وضع سيناء في الجانب الإداري المرتبط بمصر.
3. فصلها عن المناطق العثمانية، ومنها متصرفية القدس وولاية الحجاز.
4. أسس للحد الدولي الذي أصبح لاحقًا حدًا بين مصر وفلسطين الانتدابية.
وصف الاتفاق الخط بأنه "خط فاصل إداري" ، وليس معاهدة تنازل عن إقليم فلسطيني. كما لم ينص على أن سيناء كانت جزءًا من فلسطين ثم نُقلت إلى مصر.
ومن الناحية القانونية، فإن الاتفاق يثبت أن المسألة كانت ترسيمًا لحدود قائمة ومتنازعًا على تفاصيلها، لا عملية نقل ملكية إقليمية من كيان فلسطيني إلى الدولة المصرية.
سادسًا: فلسطين في نظام الانتداب والتى اعتمد مجلس عصبة الأمم صك الانتداب على فلسطين في ٢٤ يوليو ١٩٢٢ ، ودخل حيز التنفيذ في ٢٩ سبتمبر ١٩٢٣ . وهنا لابد من التوضيح انه قد تعلّق الانتداب بالأراضي التي كانت تابعة للدولة العثمانية، ضمن حدود حددتها القوى الحليفة.
أما الحدود المصرية–الفلسطينية فكانت قد استندت إلى خط عام ١٩٠٦ ولذلك لم تدخل سيناء ضمن إقليم الانتداب على فلسطين.
وهذا مهم من الناحية القانونية؛ لأن فلسطين الانتدابية لم تكن امتدادًا جغرافيًا مفتوحًا لكل المناطق التي كانت مرتبطة تاريخيًا بالمشرق، بل إقليمًا محددًا بحدود دولية وإدارية.
سابعًا: معاهدة لوزان لعام ١٩٢٣ التى وقعت في ٢٤ يوليو ١٩٢٣ في مدينة لوزان وأنهت المطالب الإقليمية العثمانية خارج حدود تركيا الجديدة.
وتضمن الإطار العام للمعاهدة تخلي تركيا عن حقوقها في مصر والأراضي الواقعة خارج حدودها، بما في ذلك المطالب المتصلة بالمناطق التي أصبحت تحت الإدارة المصرية أو البريطانية.لكن معاهدة لوزان لم تكن الوثيقة التي «نقلت» سيناء إلى مصر؛ فالوضع الإداري والحدودي لسيناء كان قد تحدد عمليًا قبل ذلك، وخاصة بمراسلات وترتيبات عام ١٩٠٦ .
ثامنًا: معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية لعام ١٩٧٩ التى أكدت بالتوقيع عليها في ٢٦ مارس ١٩٧٩ انسحاب إسرائيل من سيناء وعودة ممارسة مصر سيادتها الكاملة عليها.
ونصت المعاهدة على أن الحدود الدولية بين مصر وإسرائيل هي الحدود المعترف بها بين مصر وفلسطين الانتدابية، مع إرفاق خرائط وملاحق تحدد خط الحدود. وبذلك أعادت المعاهدة تأكيد أن سيناء تقع داخل الإقليم المصري، وأن الحد الشرقي لها يرتبط بالخط الدولي الذي نشأ من ترتيبات عام -١٩٠٦
تاسعًا: المساحة الجغرافية لشبه جزيرة سيناء تقريبًا تتراوح بين ٦٠ الفاً الي ٦١ الف كيلومتر مربع بحسب طريقة القياس والحدود المعتمدة.
أما مساحة فلسطين الانتدابية فتُذكر عادة في حدود ٢٦ الف كيلومتر مربع تقريبًا مع اختلاف الأرقام باختلاف احتساب المياه الإقليمية والبحر الميت.
ولا توجد في الوثائق الدولية الأساسية وثيقة تنص على اقتطاع مساحة سيناء كاملة من فلسطين أو نقلها من الإدارة البريطانية إلى مصر؛ لأن سيناء لم تكن جزءًا من فلسطين الانتدابية أصلًا.
عاشرًا: عدد الوثائق والاتفاقات الرئيسية
يمكن حصر أهم الوثائق ذات الصلة في ست محطات:
١. فرمان عام ١٨٤١ بشأن حكم أسرة محمد علي لمصر.
٢. برقية ٨ أبريل ١٨٩٢ بشأن الوضع الإداري في سيناء.
٣. مذكرات ١٤ و١٥ مايو ١٩٠٦ بين بريطانيا والدولة العثمانية.
٤. ترسيم الاول من أكتوبر ١٩٠٦ بين مصر والدولة العثمانية.
٥. صك الانتداب على فلسطين لعام ١٩٢٢ .
٦. معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية لعام ١٩٧٩.
ويضاف إليها عدد من الوثائق التفسيرية، أهمها التقارير البريطانية المقدمة إلى البرلمان، والخرائط وتقارير لجان الترسيم.
واقصد القول ان الخلاصة القانونية لا تثبت الوثائق العثمانية والبريطانية المتاحة أن سيناء كانت جزءًا من فلسطين ثم نُقلت إلى مصر بقرار بريطاني. والأدق تاريخيًا وقانونيًا هو الآتي:
- كانت سيناء تحت إدارة مصرية فعلية قبل عام ١٩٠٦
- كانت السيادة العثمانية الاسمية قائمة على مصر، مع استقلال إداري واسع للخديوية.
- وقع نزاع عثماني–مصري حول الحدود الشرقية، خصوصًا في منطقة طابا والعقبة.
- تدخلت بريطانيا لحماية مصالحها الاستراتيجية في مصر وقناة السويس.
- ثبّتت ترتيبات عام ١٩٠٦ خط الحدود بين مصر والأراضي العثمانية.
- لم تكن فلسطين آنذاك دولة ذات حدود دولية مستقلة.
- لم يشمل الانتداب البريطاني على فلسطين شبه جزيرة سيناء.
- أكدت معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية عام ١٩٧٨ عودة السيادة المصرية الكاملة على سيناء.
وعليه، فإن العبارة الأكثر انضباطًا هي:
" سيناء لم تُنقل من فلسطين إلى مصر" ، بل جرى تثبيت حدودها الشرقية بين مصر والأراضي العثمانية عام ١٩٠٦ ، ثم أصبحت هذه الحدود أساسًا للحد الدولي بين مصر وفلسطين الانتدابية لاحقًا.
وبالتالي لايحق لإسرائيل الادعاء بان سيناء كانت جزءا من فلسطين وهذا ما تؤكده مراجعة أصول الوثائق والخرائط التى تم اعتمادها بحثيًا وقضائيًا ويجب التفريق وعدم خلطٍ الأوراق بين الإدارة والسيادة والحدود.