في اليوم العالمي للبصر: استشاريون ينصحون بالفحص دون انتظار الشكوى
08-10-2026 08:29 PM
عمون - في خضم التسارع المستمر لأنماط الحياة المعاصرة وتزايد الاعتماد على الشاشات الرقمية، يأتي اليوم العالمي للبصر الذي يصادف اليوم الخميس، ليحمل هذا العام رسالة توعوية ملحة وعميقة، تؤكد أن البصر ليس مجرد حاسة للرؤية فحسب، بل هو الركيزة الأساسية للتعلم والعمل والاستقلال وجودة الحياة.
وفي هذا السياق، يؤكد مختصون في طب العيون ، أهمية التحول الجذري في ثقافة التعامل مع صحة العين، والانتقال من مرحلة انتظار ظهور الشكوى والأعراض إلى مرحلة الفحص الدوري الاستباقي، لاسيما وأن الكثير من أمراض العيون تبدأ وتتطور بصمت دون أن ترافقها أي إشارات إنذار مبكرة.
وحول الأبعاد الطبية والوقائية لهذه المناسبة، يوضح استشاري طب وجراحة العيون الدكتور إبراهيم النوايسة، أن هناك تفريقاً لغوياً وعلمياً جميلاً بين النظر والبصر؛ فالنظر يشير مجرد توجيه العين نحو الشيء، بينما يرتبط البصر برؤيته الحقيقية وإدراك تفاصيله بدقة، مشيراً إلى أن دور طبيب العيون يتجاوز بكثير مجرد وصف النظارات الطبية وتصحيح قياسات النظر، ليصل إلى الحفاظ الشامل على صحة العين ووظيفتها الحيوية ومساعدة الإنسان على التفاعل مع محيطه بكل وضوح وأمان.
ويؤكد أن التطور الطبي الهائل لم يمنع بقاء مشكلات الإبصار من التأثير على ملايين البشر عالمياً، رغم أن غالبيتها قابلة للوقاية أو العلاج الفعال شريطة اكتشافها في مراحلها الأولى، وأن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الحلول العلاجية أو الجراحية، بل في تأخر طلب الاستشارة الطبية وصولاً إلى مراحل متأخرة يصعب فيها تدارك الضرر الكامل.
ويضيف أن المنظومات الصحية العالمية والمحلية تواصل جهودها الحثيثة لردم الهوة بين التقدم الهائل في تقنيات التشخيص وجراحة العيون وبين وصول هذه الخدمة العادلة إلى كافة الشرائح، لا سيما في المجتمعات النامية أو المناطق ذات البنية التحتية المحدودة، مشدداً على أن نشر الوعي المجتمعي وتأصيل ثقافة الفحص الدوري المنتظم يظلان الحصن الأمني الأول والأكثر فعالية لتقليص نسب الإعاقة البصرية وتوفير حياة كريمة ومستقلة لملايين المرضى.
وأفاد النوايسة، أن الأخطاء الانكسارية غير المصححة والماء الأبيض المعروف بـ«الساد أو الكاتاراكت» تتربع على رأس قائمة مسببات ضعف الإبصار عالميا، تليها أمراض خطيرة ومزمنة مثل "الجلوكوما" التي تعرف بالماء الأزرق، واعتلال الشبكية السكري، والتنكس البقعي المرتبط بالعمر والمعروف اختصارا بـ «AMD»، فضلا عن التراخوما أو الرمد الحبيبي الذي ما زال يشكل تحدياً في بعض المناطق نتيجة العدوى المتكررة المؤدية لتندب الجفون والقرنية وفقدان البصر إن لم تعالج بالنظافة والأدوية أو التدخل الجراحي في الوقت المناسب.
ويبين أن مشكلة الماء الأبيض تشكل عبئاً متزايداً مع ارتفاع متوسط العمر وتحسن الرعاية الصحية، حيث يتسع الفجوة بين الأعداد المتزايدة للمرضى المحتاجين للجراحة وتوفر الكوادر الجراحية والخدمات في المناطق الريفية والنائية، مما يؤخر العلاج ويطيل معاناة المرضى.
من جانبه، بين عضو الهيئة الأدارية لجمعية أصدقاء العيون الدكتور أحمد الحسبان، أن التصاعد في أعداد الإصابات بالأمراض المرتبطة بالعيون وحاجة المجتمعات الماسة للرعاية، تعد مؤشرات على عدم إهمال فحص العين بحجة غياب الأعراض، فالفحوصات الدورية المرتبطة بالعمر ومراحل النمو المختلفة للأطفال، والتحكم الصارم بمستويات سكري الدم وضغط الشرايين، والالتزام بفحص الشبكية الدوري لمرضى السكري، وحماية العيون من الإصابات المباشرة في بيئات العمل، كلها خطوات لا غنى عنها لصيانة البصر على مدى السنين.
وشدد أنه وفي ضوء الارتفاع الملحوظ إلى التعرض للشاشات الذكية، لابد من أخذ فترات راحة منتظمة، وضبط الإضاءة المحيطة، والحرص على الرمش الإرادي لتجنب إجهاد العين ومتلازمة الجفاف المزمن.
ويؤكد الحسبان بخصوص خيارات العلاج المتاحة، أن نجاح التدخل العلاجي يختلف جذرياً بحسب المسبب المرضي، فالأخطاء الانكسارية تصحح ببساطة عبر النظارات أو العدسات اللاصقة المناسبة، بينما تستهدف علاجات الأمراض الأخرى كالجلوكوما والتنكس البقعي إبطاء تدهور الحالة والحفاظ على الرؤية المتبقية، مع الإشارة إلى أن بعض أنواع التنكس البقعي الرطب باتت تتوفر لها علاجات حديثة توقف تقدم المرض، مع التأكيد الطبي على أن العلاج لا يعني بالضرورة استعادة كامل الرؤية المفقودة، مما يضاعف من قيمة الوقاية والكشف المبكر.
وحول مستوى التطور الذي يشهده قطاع جراحة العيون، قال الحسبان، إن هناك آفاقاً تكنولوجية واعدة، ودور بارز للابتكارات الحديثة مثل الجراحة الروبوتية المساعدة التي تخضع لتجارب سريرية متقدمة لتمكين الجراحين من إجراء عمليات الماء الأبيض بدقة فائقة وتحكم كامل، مع استمرار الأبحاث المستقبلية حول إمكانية استخدام روبوتات مستقلة لإجراء عمليات الفاكو في المناطق النائية التي تفتقر لتواجد أطباء العيون، بشرط إثبات السلامة والفعالية التامة قبل تعميمها. وفي نفس السياق، يسهم الطب عن بعد.
ويوصي بضرورة الانتباه الفوري للعلامات الخطيرة التي لا تحتمل التأجيل، مثل فقدان البصر المفاجئ، أو تشوش الرؤية غير المبرر، أو ظهور ومضات ضوئية وأجسام طافية جديدة في حقل الرؤية، أو الإحساس وكأن ستارة سوداء تسدل على العين، فضلا عن الآلام الحادة والاحمرار الشديد، إذ تستدعي هذه الأعراض تقييما طبيا طارئا وفوريا للحفاظ على سلامة العين وبنيتها.
وتخلص الرسالة الشاملة لليوم العالمي للبصر إلى أن الصحة البصرية مسؤولية شخصية ومجتمعية ترتكز على مثلث الوقاية، والكشف المبكر، وإتاحة العلاج العادل للجميع، داعية الأفراد إلى عدم انتظار ضياع جزء من النصر أو البصر للبدء بالاهتمام بهذه النعمة العظيمة، فالاستثمار اليوم في صحة العين هو الضمانة الوحيدة لمواصلة رؤية تفاصيل الحياة وجمالياتها بكل وضوح في الغد.
بترا