facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




زواج جديد .. بين التعلق والحرمان


د. جهاد يونس القديمات
10-10-2026 02:41 PM

يحمل المرء معه إلى الزواج الجديد بعد الطلاق مشاعره وذاكرته ومخاوفه، ولا يتركها عند آخر باب أغلقه من زواجه السابق، فقد تنتهي العلاقة فعليا لكن آثارها لا تنتهي بالضرورة في الوقت نفسه، ويظل في داخله الكثير مما تعلمه عن الحب والثقة والاهتمام والأمان، إلى جانب ما افتقده من تقدير واحتواء، لذلك لا يتعلق الزواج الجديد بالزوجة الجديدة وحدها، وإنما يتأثر بما تركته التجربة السابقة في النفس، وبمدى القدرة على فهم هذا الأثر قبل بدء حياة أخرى، لأن المشكلة ليست في أن يبدأ المرء من جديد، وإنما في أن يبدأ وهو يبحث عن تعويض أكثر مما يبحث عن شراكة.

استوقفني هذا الموضوع من تجربة سابقة جعلتني أكثر انتباها إلى ما يمكن أن تحمله علاقة انتهت من مشاعر واحتياجات، فقد يبدأ الشخص علاقة جديدة وهو يعتقد أن كل شيء أصبح خلفه، بينما يظل بعض ما حدث حاضرا في نظرته إلى القرب والثقة والاهتمام، خصوصا عندما يجد بعد الطلاق زوجة تمنحه حنانا وشعورا بالأمان افتقده طويلا، عندها قد يأخذ الاهتمام البسيط حجما أكبر من طبيعته، لأن الحاجة إليه كانت كبيرة، وقد يشعر المرء أن العلاقة الجديدة أعادت إليه شيئا غاب عنه، فيتعلق بالشعور الذي تمنحه قبل أن يعرف المرأة نفسها بما يكفي، وقد يختار ما يريحه بسرعة قبل أن يعرف ما إذا كان يناسبه فعلا على المدى الطويل.

يصبح التمييز بين الاحتياج والحب ضروريا، فالراحة التي يجدها الشخص مع زوجة جديدة قد تشبه الحب، لكنها لا تكفي وحدها لبناء زواج ناجح، إذ يكشف الحب الحقيقي نفسه من خلال المعرفة والوقت والمواقف، وتتكشف معه طريقة التفكير والقيم والمسؤولية والقدرة على الحوار والمشاركة واحترام الحدود، لذلك يحتاج الاختيار إلى أن يقوم على معرفة المرأة نفسها وتوافقها مع الإنسان، لا على الشعور بالراحة والأمان الذي تمنحه العلاقة في بدايتها.

قد يأخذ الماضي شكلا آخر، فيدفع بعض الرجال إلى الخوف من القرب بدلا من التعلق به، فيصبح الابتعاد وسيلة لحماية النفس من تكرار الألم، وقد يتردد الشخص في منح ثقته أو ينسحب عندما تصبح العلاقة أكثر جدية، ليس لأنه لا يريد الحب، وإنما لأنه يرى في القرب احتمال عودة الألم الذي عاشه سابقا، عندها تجد الزوجة الجديدة نفسها أمام خوف لم تصنعه، وقد تدفع ثمن تجربة لم تكن طرفا فيها.

ينعكس هذا الأثر أيضا على طريقة تفسير التصرفات، فقد يصبح التأخر في الرد إهمالا، والاختلاف في الرأي علامة على عدم التوافق، والحاجة إلى مساحة شخصية دليلا على البرود، بينما قد تكون هذه التصرفات طبيعية ولا تحمل المعنى الذي أعطي لها، فتدخل المقارنة إلى العلاقة بالطريقة نفسها، فيقارن الشخص اهتمام زوجته الجديدة بما كان يفتقده، أو يقارن ردود أفعالها بمواقف زوجته السابقة، ومع الوقت تصبح المرأة الجديدة في مواجهة امرأة لم تعد موجودة، ويصبح مطلوبا منها أن تنجح في اختبار لم تختره أصلا.

قد يبدأ الأمر أحيانا من موقف بسيط، كلمة لم تعجب الزوج أو تأخر في الرد، أو اختلاف في طريقة التعبير عن الاهتمام، لكنه لا يتعامل معه باعتباره موقفا مستقلا، بل يقرأه من خلال تجربة قديمة، فيكبر المعنى في داخله قبل أن يعرف حقيقة ما حدث، وتجد الزوجة نفسها تحاول أن تثبت أنها ليست الشخص الذي سبقتها، بينما لم تكن مطالبة أصلا بخوض هذه المقارنة.

تتعمق المشكلة عندما يدخل أحد الطرفين الزواج الجديد وهو لا يزال يعيش نفسيا داخل الزواج السابق، لأن تغيير الزوجة لا يعني بالضرورة تغيير طريقة النظر إلى الزواج، وقد يحمل معه الشك نفسه أو الخوف نفسه أو طريقة التعلق نفسها، فتعود بعض المشكلات من جديد، ليس لأن الزوجة الجديدة تشبه السابقة، وإنما لأن طريقة فهم العلاقة والتعامل معها لم تتغير.

تستحق التجربة السابقة مراجعة عادلة، فلا يتحول الزواج الماضي إلى قصة يكون فيها طرف مخطئا دائما وطرف آخر ضحية دائما، فقد يرتبط بعض ما حدث بطريقة التعبير عن الاحتياجات أو التوقعات أو التعامل مع الخلاف أو النظرة إلى الزواج نفسه، وفهم الشخص لدوره لا يعني تحميله مسؤولية كل شيء، وإنما يساعده على معرفة ما يريد تغييره في نفسه حتى لا يحمل المشكلة نفسها إلى علاقة جديدة.

يتجاوز التعافي من الزواج السابق مجرد مرور الوقت أو الدخول في زواج جديد، ويبدأ بفهم ما حدث، ومعرفة ما تعلمه المرء منه، واستعادة حياته خارج فكرة الزواج من خلال الاهتمامات والعلاقات والأهداف والعمل، حتى لا تصبح الزوجة الجديدة الوسيلة الوحيدة للشعور بالأمان أو القيمة أو اكتمال الحياة، ولا تقاس الجاهزية بعدد الأشهر أو السنوات التي مرت على الطلاق، وإنما بقدرة الإنسان على تذكر تجربته السابقة دون أن تتحكم مشاعرها القديمة في اختياراته، والتوقف عن المقارنة، ومعرفة ما يريده وما لا يستطيع قبوله.

يصنع هذا التوازن فرقا كبيرا في اختيار الزوجة، لأن هدوء أثر الماضي يجعل الرؤية أكثر وضوحا، ويمكن عندها قراءة سلوك المرأة في المواقف المختلفة، وطريقة تعاملها مع الخلاف ومسؤوليتها، واحترامها للحدود وقدرتها على الحوار، ولا يعود الحكم قائما على مشاعر البداية وحدها، لأن الثقة تتكون تدريجيا من خلال المواقف، ويصبح الاختيار أقرب إلى معرفة حقيقية بالشخص الآخر، لا إلى البحث عمن يعوض ما فقد في العلاقة السابقة.

تشارك الزوجة الجديدة في بناء العلاقة، لكنها ليست مسؤولة عن إصلاح الماضي، كما أن الزوج ليس مطالبا بأن يجعلها نسخة مختلفة تماما عن زوجته السابقة أو نقيضها الكامل، لأن البحث عن النقيض قد يكون مجرد رد فعل على تجربة قديمة، كما أن الانجذاب إلى من تمنح المرء ما افتقده لا يكفي وحده للحكم على صلاحية العلاقة، ويبقى التوافق في القيم والمسؤولية وطريقة التعامل والقدرة على الحوار أكثر أهمية من مجرد التشابه أو الاختلاف في بعض الصفات.

لا يقوم الزواج الجديد على فكرة أن يكون نسخة أفضل من الزواج السابق، وإنما على أن يكون علاقة مختلفة في طريقة بنائها وفهمها، فليس المطلوب أن يعوض أحد الطرفين كل ما فقده، ولا أن تعوض الزوجة الجديدة كل ما لم تستطع السابقة تقديمه، لأن تحميل العلاقة هذه المهمة منذ بدايتها يجعلها تحمل توقعات أكبر من قدرتها، والبداية الأكثر استقرارا تقوم على أن يلتقي شخصان جديدان، لكل منهما احتياجاته وحدوده، ثم يبنيان معا تاريخا خاصا بهما لا تحكمه علاقة انتهت.

يصبح النضج الحقيقي في ألا يسمح الإنسان للماضي بأن يختار بدلا منه، فيفرق بين الحب والحاجة إلى التعويض، وبين الحذر والخوف، وبين الاهتمام الحقيقي والشعور المؤقت بالأمان، عندها يرى الزوجة كما هي، لا كما يريدها أن تكون، ويصبح الزواج الجديد فرصة لبناء علاقة تقوم على المعرفة والثقة والمواقف، لا على الحرمان وحده ولا على الخوف من تكرار الماضي، فالزواج الجديد لا ينجح لمجرد أنه جاء بعد تجربة غير مكتملة، كما لا ينقص لمجرد أن أحد طرفيه يحمل ذاكرة مؤلمة، بل نجاحه يرتبط بقدرة الطرفين على بناء علاقة جديدة فعلا، لا إعادة إنتاج علاقة انتهت.

jehadhr@gmail.com





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :