الرياض ليست وحدها .. ودماء الأبرياء ليست ورقة تفاوض!
فيصل تايه
11-10-2026 09:12 AM
ليست الرياض وحدها حين تُستهدف، وليس أمن المملكة العربية السعودية شأناً يمكن عزله عن أمن الأردن واستقرار المنطقة. فبين عمّان والرياض ما هو أبعد من حدود الجغرافيا وحسابات السياسة؛ إنها أخوّة رسّختها المواقف، ومصالح مشتركة، وإيمان بأن أمن الأشقاء ليس قضية هامشية ، بل جزء من أمننا العربي المشترك.
لكن ما شهدته الرياض من استهداف لمطار الملك خالد الدولي، وما خلّفته الاعتداءات من ضحايا ومصابين من جنسيات مختلفة، يعيد إلى الواجهة سؤالاً لا يجوز أن يضيع وسط صخب الصراعات: من أعطى أحداً الحق في تحويل حياة المدنيين إلى ورقة ضغط، وأمن الشعوب إلى ساحة لتصفية الحسابات؟
المطارات ليست أهدافاً مباحة، والمنشآت المدنية ليست رسائل عسكرية، والمسافر الذي ينتظر رحلته لا ينبغي أن يتحول إلى ضحية لصراع لم يختره. وراء كل مقعد في صالة المغادرة حكاية إنسان، ووراء كل حقيبة موعد مع عائلة، ووراء كل اسم في قائمة الضحايا حياة كاملة انقطعت، وأسرة وجدت نفسها فجأة في مواجهة الفقد والخوف والأسئلة التي لا يجيب عنها شيء.
هنا تسقط كل محاولات التبرير. فمهما اشتد الصراع، ومهما تعقّدت الحسابات السياسية والعسكرية، لا تصبح حياة المدنيين تفصيلاً هامشياً، ولا تتحول المنشآت المدنية إلى أهداف مشروعة لمجرد أن استهدافها يحقق ضغطاً أو يبعث برسالة. فالسياسة التي تحتاج إلى إخافة الأبرياء كي تفرض شروطها، تضع حياة الإنسان في مواجهة حسابات لا يجوز أن تعلو على حقه في الأمان.
وفي قلب هذه الحقيقة يقف المواطن السعودي، الذي لا يطلب أكثر من حقه الطبيعي في أن يعيش آمناً، وأن يطمئن على أسرته، وأن يمضي في يومه من دون أن يترقب الخطر. أمن السعوديين ليس تفصيلاً في بيان سياسي، ولا بنداً قابلاً للتفاوض، ولا امتيازاً تمنحه الظروف وتسحبه الأزمات؛ إنه حق أصيل، وصون هذا الحق مسؤولية لا تقبل المساومة.
وما يزيد المشهد وجعاً أن آثار هذه الاعتداءات لا تتوقف عند لحظة وقوعها، بل تمتد إلى أسر تنتظر أبناءها، وعائلات تخشى على أحبّتها، ومقيمين يرتبط أمنهم واستقرارهم بأمن المملكة. ومن هنا، فإن حماية المدنيين وصون سلامتهم مسؤولية إنسانية تتجاوز الحدود والجنسية، وتؤكد أن أمن المملكة وسلامة كل من يعيش على أرضها أمران لا يقبلان المساومة.
من هنا، فإن التضامن الأردني مع المملكة العربية السعودية ليس مجاملة دبلوماسية تفرضها مناسبة، ولا عبارة تُستدعى في البيانات ثم تُطوى بانتهاء الحدث. إنه موقف تمليه روابط الأخوّة، وتؤكده وحدة المصالح والمصير، وتفرضه مسؤولية الوقوف إلى جانب حق المملكة في حماية أرضها وشعبها والمقيمين على أراضيها. فالأردن يدرك أن استقرار السعودية ركيزة مهمة لاستقرار المنطقة، وأن المساس بأمنها لا يبقى محصوراً في حدودها.
وقد جاء الموقف الأردني الرسمي بإدانة استهداف مطار الملك خالد الدولي، والتأكيد على رفض الاعتداءات التي تطال المدنيين والمنشآت المدنية والاقتصادية في المملكة، تعبيراً عن هذا التضامن وعن التمسك بسيادة الدول واحترام القانون الدولي. والمطلوب أن تظل هذه المبادئ أساساً لأي تحرك عربي ودولي يسعى إلى حماية المدنيين ومنع تكرار الاعتداءات.
غير أن وضوح الموقف لا يعني الانزلاق إلى خطاب الكراهية، كما أن إدانة الاعتداء لا تبرر تحميل الشعوب مسؤولية أفعال الجهات المسلحة. فالموقف المسؤول يميّز بين من يتخذ قرار الاعتداء ومن لا ذنب له فيه، ويطالب بمساءلة المسؤولين وفق القانون، ويتمسك في الوقت نفسه بمنع اتساع المواجهة. إن الدفاع عن أمن السعودية لا يتعارض مع حماية الأبرياء في أي مكان؛ بل إن المعيار الأخلاقي والقانوني واحد، لا يتبدل بتبدل الأطراف.
والمطلوب اليوم يتجاوز عبارات الإدانة، مهما كانت ضرورية. المطلوب تحرك جاد لوقف الهجمات التي تهدد المدنيين والمنشآت المدنية، ومساءلة المسؤولين عنها، وتعزيز حماية مرافق الطيران المدني، والعمل على احتواء التصعيد قبل أن يدفع مزيد من الأبرياء ثمنه. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بقدرة طرف على توسيع دائرة الخوف، بل بقدرته على حماية الإنسان واحترام القواعد التي تمنع الصراعات من التحول إلى حروب مفتوحة على حياة الناس.
إن المنطقة لا تحتمل مزيداً من الأزمات التي تتسع فيها قائمة الضحايا فيما تتراجع فرص الحلول. ولا يحتاج العرب إلى تذكير جديد بأن استهداف المدنيين لا يصنع أمناً مستداماً، وأن الاعتداء على المنشآت المدنية لا يفتح طريقاً إلى الاستقرار، بل يضيف أسباباً جديدة للخوف والانتقام والتصعيد. وكلما تراجعت قيمة الإنسان في حسابات الصراع، ابتعدت المنطقة خطوة أخرى عن السلام الذي تحتاج إليه شعوبها.
الرياض ليست وحدها؛ لأن أمنها ليس مسؤولية السعوديين وحدهم، ولأن التضامن معها موقف من حق الشعوب في الحياة الآمنة، قبل أن يكون تعبيراً عن رابطة سياسية أو أخوّة تاريخية. والسعودية، بما تمثله للأردن من عمق عربي وشراكة راسخة، تستحق موقفاً واضحاً لا يلتبس فيه رفض الاعتداء مع رفض الكراهية، ولا يختلط فيه الدفاع عن السيادة بالرغبة في توسيع دائرة المواجهة.
في نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون السؤال: ما الذي يستطيع الاعتداء أن يحققه من مكاسب؟ بل: كم إنساناً سيدفع ثمنه، وكم أسرة ستعيش وجع نتائجه، وكم فرصة للاستقرار ستضيع بسببه؟
فالأوطان ليست أهدافاً مباحة، والمطارات ليست ساحات للترهيب، والمدنيون ليسوا أوراق ضغط. أمن السعودية من أمن الأردن، وكرامة أهلها من كرامتنا، ودماء الأبرياء خط أحمر لا تبيحه سياسة، ولا تبرره قوة، ولا تمحوه حسابات المصالح.