عندما يصبح الوطن الحلقة الأضعف في أفواه أبنائه
المحامي عامر الهلسه
11-10-2026 09:19 AM
ليس ثمة قسوة على وطنٍ من أبنائه أشد من أن تنقلب لغة النقد من رغبة صادقة في الإصلاح إلى محاكمة علنية لا تُبقي فضيلةً إلا أنكرتها، ولا إنجازًا إلا هوّنته، ولا عيبًا إلا نفخت فيه؛ حتى يغدو الوطن في أعينهم سلسلةً ممتدة من النقائص. عندها لا يعود النقد عينًا يقظةً ترصد الخلل لتداويه، ولا يدًا أمينةً تشير إلى موضع الداء، بل يتحول إلى مرآة مشروخة لا تعكس إلا مواطن النقص، فيما نُلبس دولًا أخرى ثوب الكمال، ونُبقي الأردن وحيدًا في قفص الاتهام، مطالبًا بإثبات براءته من كل تهمة، بينما تُمنح دول أخرى صكوك الغفران رغم عيوبها.
إن ثمة بونًا شاسعًا بين أن ننظر إلى الأردن كأنه مجرم لا يستحق إلا المحاكمة والازدراء، وبين أن نشير إلى مواطن الخلل بجرأة ومسؤولية وأمانة. فالنقد البنّاء فعل انتماء ووجه من وجوه المسؤولية، أما النقد الذي لا يفضي إلا إلى تحقير الذات، فليس وعيًا وطنيًا ولا شجاعة، بل استسلام لفكرة واهية مؤداها أن كل ما يأتي من الخارج جدير بالإعجاب، وأن كل ما ينبت في هذه الأرض محكوم عليه بالفشل والنقص.
ليس عيبًا أن نعجب بتجارب الدول الأخرى، أو نتعلم منها في الاقتصاد والإدارة والتعليم والتكنولوجيا؛ فالانفتاح على تجارب الآخرين سبيل إلى النهوض. لكن العيب أن يتحول الإعجاب إلى جلد للوطن، وأن يُنصَّب الآخر معيارًا وحيدًا للكمال، فيما يُستدعى الأردن دائمًا بوصفه نموذجًا للنقص والخجل.
إن بعضنا لا يقارن ليتعلم، بل ليُدين؛ فإذا رأى شارعًا نظيفًا في بلد آخر، لم يسأل عن منظومة الإدارة والقوانين ووعي المواطن التي صنعت ذلك، بل اكتفى بالحكم: «هناك يحترمون الإنسان، وهنا لا شيء». وإذا نجحت دولة أخرى، نُسب نجاحها إلى التخطيط والعبقرية، بينما عُدَّ نجاح الأردني استثناءً عابرًا أو ضربة حظ. وإذا أخطأ الآخر، التمسنا له الأعذار، أما إذا أخطأ الأردن، تحوّل الخطأ إلى حكم نهائي على الدولة والمجتمع والإنسان. هناك تُفهم الظروف، وهنا تُستعمل الظروف سكينًا لذبح معنى الوطن كله.
ليست المشكلة في أن نعترف بتأخرنا في بعض المجالات، بل في أن نحول هذا الاعتراف إلى عقيدة من الدونية. فالأمم الحية لا تنهض بلعن ذواتها، ولا تبني مستقبلها بألسنة لا تعرف من النقد إلا أقسى مفرداته. وقد يخفي تمجيد الخارج أحيانًا عجزًا عن مواجهة الذات، فيتحول الآخر إلى أسطورة نهرب إليها، ونطعن وطننا كلما أردنا إثبات أننا أكثر وعيًا من سوانا.
لا ندّعي أن الوطن فوق المساءلة، لكنه ليس متهمًا أبديًا محرومًا من الإنصاف. فمن يحب وطنه لا يطالبه بالكمال المستحيل، بل بالتحسن الممكن؛ لا يبرر أخطاءه، لكنه لا يمحو فضائله، ولا يصفق لكل ما فيه، لكنه لا يسمح بأن يصبح مادة دائمة للسخرية والازدراء.
الأردن الذي نحب، رغم محدودية موارده وضيق هامش حركته واضطراب محيطه، ليس بلدًا عابرًا بلا أثر. لقد حمل أعباء المنطقة، واستقبل موجات متعاقبة من اللجوء، وواصل بناء مؤسساته، وحافظ على قدر من الاستقرار وسط محيط كثير الانهيارات. وخرّج أطباء ومهندسين وعلماء وأكاديميين ورجال أعمال وكتّابًا وفنانين تركوا أثرًا تجاوز حدود جغرافيته الصغيرة. وهذه حقائق لا تلغي مواطن الضعف، لكنها تذكّرنا بأن الإنصاف يقتضي رؤية الصورة كاملة.
إن احترام الوطن لا يعني التغاضي عن الفساد وسوء الإدارة، ولا يمنع المطالبة بتحسين التعليم والصحة والنقل والخدمات، ومحاسبة المسؤولين عن التقصير. من حق الأردني أن يغضب وينتقد ويطالب بالأفضل، لكن المقارنة العادلة تبدأ بفهم الفوارق، وتنتهي باقتراح الحلول. أما المقارنة التي تبدأ بالانبهار هناك وتنتهي بالإهانة هنا، فليست بحثًا عن الإصلاح، بل استعراض للمرارة. وما أكثر الذين يتقنون وصف الجرح، ثم يعجزون عن تقديم دواء أو ضماد.
إن الأمم التي تحترم نفسها تتعلم من غيرها دون أن تنحني لها، وتستورد التكنولوجيا دون أن تستورد احتقار الذات، وتقتبس التجارب دون أن تستعير شعور الدونية. إنها تفتح نوافذها على العالم، لكنها لا تترك كرامتها عند عتبة الباب؛ لأنها تدرك أن التقدم ليس امتيازًا وراثيًا لشعب دون آخر، وأن ما حققته أمم تستطيع أمم أخرى تحقيقه بالإرادة والرؤية والمؤسسات والثقة بقدرات أبنائها.
وأخطر ما في ازدراء الوطن أنه يتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها: نحتقر مؤسساتنا، فنفقد الثقة بها، وننسحب من إصلاحها، ثم نستشهد بانسحابنا دليلًا على أنها لا تستحق الإصلاح. وهكذا يكبر جيل يظن أن النجاح لا يمكن أن يكون أردنيًا، وأن الكفاءة لا تولد إلا خارج الحدود، فتغدو المشكلة أزمة كرامة وهوية، لا مجرد خلل اقتصادي أو إداري.
إن الأوطان لا تُبنى بالموارد وحدها، بل بالصورة التي يحملها أبناؤها عنها. فإذا كانت تلك الصورة مهزومة، صار كل إنجاز ناقصًا، وكل مشروع موضع سخرية. أما إذا امتلك الإنسان الأردني وعيًا متوازنًا، استطاع تحويل النقص إلى حافز، والضيق إلى ابتكار، والتحدي إلى فرصة. فالأردن ليس فقيرًا إلى الطاقات بقدر ما يحتاج إلى ثقة منصفة بقدرته على استثمارها.
نحن بحاجة إلى عين صادقة ترى المشهد كاملًا: ترى التقصير ولا تنكره، وترى الصمود ولا تجحده؛ تفضح الفساد ولا تهين الناس، وتطالب بالإصلاح ولا تهدم الثقة؛ تتعلم من الآخرين دون أن تجعل منهم آلهة، وتنتقد الوطن دون أن تتحول إلى خصم له. فالدول الأخرى ليست جنة، والأردن ليس جحيمًا؛ وبينهما مساحة واسعة اسمها الحقيقة، لا يدخلها المتعصب للداخل ولا المبهور بالخارج.
فلنقارن بعقل لا بانفعال، وبالأرقام لا بالصور، وبالوقائع لا بالحكايات المتداولة. لنسأل قبل أن نمدح الآخر: ما الذي صنع نجاحه؟ وقبل أن نذم الأردن: ما الذي أعاقه؟ وهل نريد إصلاحًا حقيقيًا، أم نبحث عن لذة التذمر وإثبات أننا أكثر فطنة من وطننا؟
ليس المطلوب أن نغلق أعيننا عن تجارب العالم، ولا أن نرتدي ثوب الغرور الوطني، ولا أن نزعم أن الأردن بلغ الغاية. المطلوب أن نراه كما هو، وأن نضعه على طاولة الإصلاح، لا على منصة الحكم بالإعدام؛ أن نعرف مواضع ضعفه دون أن نختزل كيانه فيها، وأن نحصي إنجازاته دون أن نجعلها ذريعة للركون.
فالوطن ليس معصومًا من الخطأ، لكنه ليس مشروعًا مفتوحًا للإهانة. إنه بيتنا الذي ولدنا فيه وعشقناه؛ إن تصدّع أصلحناه، وإن ضاق وسّعناه، وإن أخطأ أهله قوّمناهم، لكننا لا نهدمه ثم نقف على أنقاضه نذرف الدموع ونمدح بيوت الآخرين.
من حقنا أن نحلم بأردن أفضل، ومن واجبنا أن نعمل له، لكن ليس من حقنا أن نختصره في عيوبه، أو نجعل تمجيد الآخرين مهنة يومية، أو نتخذ عدم رضانا ذريعة لاحتقار وطن لم يبخل علينا بما استطاع.
إن الأردن لا يطلب من أبنائه أن يكذبوا من أجله، بل أن يكونوا عادلين معه؛ فالعدل، في هذا الزمن الرمادي، فضيلة الإنسان الشجاع.