*نحو إعادة هندسة إجراءات التوثيق الشرعي في عصر التحول الرقمي
لم يعد التحول الرقمي ترفًا إداريًا، ولا مجرد استبدال الورقة بالشاشة مع الإبقاء على الإجراء ذاته كما كان.
فالتحول الرقمي الحقيقي يبدأ حين نعيد النظر في الإجراء نفسه، ونطرح سؤالًا جوهريًا بسيطًا في ظاهره، عميقًا في أثره: هل ما زلنا بحاجة إلى هذا الإجراء أصلًا؟
من هذا السؤال تحديدًا تنبثق فكرة "إعادة هندسة الإجراءات" (Process Re-engineering)، أي إعادة تصميم الخدمة من الألف إلى الياء، وحذف كل خطوة لم تعد تحقق غاية قانونية أو عملية حقيقية، بدلاً من الاكتفاء برقمنة إجراءات ورثناها دون مراجعة. وفي أعمال التوثيق الشرعي لدى المحاكم الشرعية، تبدو الحاجة إلى هذه المراجعة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
هل ما زلنا بحاجة إلى المعرِّفين والشهود في كل معاملة توثيق؟
ما زالت بعض معاملات التوثيق تستلزم حضور معرِّفين أو شهود، رغم أن وسائل التحقق من هوية المواطن وبياناته باتت أكثر تطورًا ودقة من أي مرحلة سابقة.
ففي عصر الهوية الرقمية، والربط الإلكتروني بين مؤسسات الدولة، وقواعد البيانات الرسمية الموحدة، والتوقيع الإلكتروني المعتمد قانونًا، وإمكانية التحقق الفوري من شخصية صاحب العلاقة وأهليته الشرعية وبياناته الرسمية، يصبح من حقنا أن نتساءل: ما القيمة القانونية المضافة لحضور المعرِّفين أو الشهود، إذا كانت غايتهم الوحيدة إثبات الهوية والحضور، بينما تؤدي المنظومة الإلكترونية الرسمية المهمة ذاتها بدقة وسرعة أكبر؟
وهنا لا بد من تمييز فقهي وقانوني دقيق: بين الشهادة التي يقتضيها حكم شرعي أو نص تشريعي صريح بحكم طبيعة المعاملة ذاتها (كعقد الزواج مثلاً)، وبين إجراء إداري توارثته الممارسة دون أن تستند ضرورته إلى نص قانوني ملزم في سائر معاملات التوثيق. والدعوة هنا ليست لإلغاء الشهادة حيث تبقى لها وظيفة شرعية أو قانونية حقيقية، بل لإلغاء ما لا ضرورة له من إجراءات المعرِّفين والشهود في المعاملات القابلة للتحقق الرسمي الإلكتروني.
من كان يعرف الشخص بالأمس… تعرفه المنظومة الرقمية اليوم
في الماضي كان سؤال المعرِّف: "هل تعرف هذا الشخص؟" أما اليوم فالسؤال الأجدر: "هل تستطيع مؤسسات الدولة التحقق من هوية هذا الشخص رسميًا وبصورة موثوقة؟" لقد تغيّرت الوسيلة، وإذا أصبحت الهوية المدنية والبيانات الرسمية والتوثيق الإلكتروني قادرة على تحقيق الغاية ذاتها التي كان المعرِّف يحققها، فإن التمسك بالوسيلة القديمة لمجرد قِدمها يحول دون الوصول إلى نموذج إداري وقضائي أكثر كفاءة. والقاعدة الحاكمة هنا: إذا تغيّرت الوسائل المحقِّقة للغاية، وجب إعادة النظر في الإجراءات التي أُنشئت أصلًا لتحقيق تلك الغاية — وهي قاعدة تتسق مع المقاصد الشرعية التي تُعنى بالمآلات لا بصورة الإجراء وحدها.
ليس كل توثيق عملاً قضائيًا...
تضم أعمال المحاكم الشرعية، إلى جانب الفصل في الخصومات، أعمالًا ولائية وتوثيقية لا تتضمن نزاعًا. والسؤال الذي يستحق طرحه بجرأة: هل يستلزم كل عمل توثيقي بالضرورة قاضيًا للقيام به؟ إن القاضي الذي أُعدّ علميًا ومهنيًا لسماع البينات، وترجيح الحجج، وتطبيق القانون، وإصدار الأحكام، ينبغي أن تتوجه طاقته ووقته إلى العمل القضائي الذي لا يقوم به سواه. أما الأعمال التوثيقية الخالية من الخصومة، والتي يمكن تنظيمها قانونًا وإداريًا وإلكترونيًا، فمن المشروع إعادة النظر في الجهة المخوَّلة بتوليها. وليس في ذلك انتقاص من قيمة التوثيق أو مكانة القضاء، بل على العكس تمامًا: إعفاء القاضي من غير الاختصاص القضائي الأصيل هو تكريس لحصانة القضاء وإعلاء لقيمته.
نحو "كاتب العدل الشرعي": مقترح يستحق النقاش التشريعي الجاد
بدلاً من الاكتفاء بسؤال "كيف نُحوّل الإجراء الحالي إلى نسخة إلكترونية؟"، ينبغي طرح سؤال أعمق: كيف يجب أن تكون منظومة التوثيق الشرعي لو صممناها اليوم من الصفر؟ عندئذٍ سنكتشف أن ثمة إجراءات يمكن إلغاؤها، وأخرى يمكن تبسيطها أو أتمتتها، وأعمالًا يمكن نقل اختصاصها إلى جهة متخصصة، مع إبقاء ما يستوجب نظرًا قضائيًا أمام القاضي وحده.
من هنا يُطرح مقترح استحداث "كاتب العدل الشرعي"، بموجب إطار تشريعي واضح، يتولى أعمال التوثيق الشرعي التي لا تستدعي حكمًا قضائيًا، ضمن إعادة هيكلة شاملة تحقق:
* إنجاز معاملات التوثيق البسيطة بسرعة وكفاءة أعلى.
* اعتماد التحقق الإلكتروني بديلاً عن الإجراءات الورقية غير الضرورية.
* إعادة توزيع الكادر البشري القائم بما يحقق الكفاءة المؤسسية.
* تخفيف أعباء المراجعين والضغط عن كاهل القضاة.
* تفرّغ القاضي للعمل القضائي الأصيل.
* تحديد المسؤولية القانونية عن التوثيق بنص واضح لا لبس فيه.
وبذلك لا يقتصر الهدف على تقليل عدد الخطوات الإجرائية، بل يمتد إلى بناء منظومة توثيق جديدة تليق بمتطلبات الدولة الرقمية.
الحاجة إلى تشريع ناظم لأعمال التوثيق الشرعي
إن إعادة هندسة الإجراءات لا تكتمل بالتعليمات الإدارية وحدها، بل تستلزم إطارًا تشريعيًا واضحًا يحدد بدقة: ما يستوجب نظر قاضٍ، وما يدخل في اختصاص موثق، وما يمكن إنجازه إلكترونيًا دون تدخل بشري مباشر. كما ينبغي أن يحسم هذا التشريع حجية الوثيقة الإلكترونية، وآلية التحقق من الهوية والأهلية الشرعية، ونطاق مسؤولية الموثق القانونية والتأديبية، وضوابط التوقيع الإلكتروني المعتمد، وآليات التدقيق والرقابة المؤسسية، إضافة إلى الحالات الحصرية التي تستلزم حضور الشهود أو المعرِّفين بنص الشرع أو القانون.
ويمكن أن يصبح المبدأ الناظم: لا شاهد بلا حاجة شرعية أو قانونية، ولا معرِّف بلا ضرورة ثابتة، ولا حضور شخصي إذا كان التحقق الإلكتروني يحقق الغاية ذاتها بصورة موثوقة وآمنة — مع بقاء الحالات التي تفرض طبيعتها الشرعية خصوصية استثنائية، وفي مقدمتها عقد الزواج، والإرث، والتخارج، باعتبارها معاملات ذات طابع تعبّدي وحقوقي خاص لا تحتمل التبسيط المطلق.
التحول الرقمي فرصة لإعادة توزيع الأدوار، لا لتكديسها
تمتلك مؤسساتنا القضائية والإدارية كفاءات بشرية يمكن توظيفها بصورة أكثر إنتاجية إذا أعيد توزيع الأدوار بعقلانية. فليس المطلوب أن يتولى القاضي كل عمل لمجرد وقوعه داخل مبنى المحكمة، بل أن يوضع كل عمل في مكانه الصحيح: القاضي للقضاء، والموثق للتوثيق، والمنظومة الإلكترونية للتحقق والربط وحفظ البيانات، فيحصل المواطن على خدمته بأقل وقت وجهد ممكنين. وهذا تحديدًا جوهر الإدارة القضائية الحديثة.
من رقمنة الإجراءات إلى هندستها: الفرق الجوهري
الرقمنة تعني تحويل المعاملة الورقية القديمة إلى نسخة إلكترونية بذات خطواتها. أما هندسة الإجراءات فتعني مساءلة كل خطوة: لماذا وُجدت؟ ومن يحتاج إليها؟ وهل ما زالت تحقق غاية حقيقية؟ وهل يمكن تحقيق الغاية بطريقة أبسط وأسرع وأكثر أمانًا قانونيًا؟ فإن كانت الإجابة أن الخطوة لم تعد ضرورية، فإن أفضل "خدمة رقمية" هي إلغاؤها من الأساس لا رقمنتها.
خارطة طريق عملية لقضاء يتفرغ للقضاء
إن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المعاملات التي غدت إلكترونية، بل بقدرة النظام على تقديم خدمة أسرع وأدق وأكفأ، وبمدى توظيف كل كفاءة بشرية في الموقع الذي تحقق فيه أعلى قيمة مضافة. وتأسيسًا على ما تقدم، يمكن بلورة هذه الرؤية في خطوات تنفيذية محددة:
1. مراجعة تشريعية شاملة لأعمال التوثيق الشرعي، تُفرّز بنص صريح بين ما يستوجب حكمًا قضائيًا، وما يدخل في اختصاص موثق إداري، وما يمكن إنجازه إلكترونيًا دون تدخل بشري.
2. استحداث نظام "كاتب العدل الشرعي" بموجب قانون ناظم، يحدد شروط التعيين، ونطاق الاختصاص، والمسؤولية القانونية والتأديبية، بما يكفل ثقة المتعاملين وحجية ما يصدر عنه.
3. حصر حالات اشتراط الشهود والمعرِّفين بنص قانوني حصري، يقتصر على المعاملات ذات الطبيعة الشرعية الخاصة (كعقد الزواج والإرث والتخارج)، وإلغاء هذا الشرط في سائر معاملات التوثيق القابلة للتحقق الإلكتروني الرسمي.
4. تفعيل الربط الإلكتروني الكامل بين المحاكم الشرعية ومؤسسات الدولة ذات العلاقة (الأحوال المدنية، الهوية الرقمية)، لضمان تحقق فوري وموثوق من الهوية والأهلية دون الحاجة لوسائل الإثبات التقليدية.
5. تحديد حجية الوثيقة والتوقيع الإلكترونيين بنص قانوني واضح، يرفع عنهما أي شبهة قصور في الإثبات أمام القضاء أو الجهات الرسمية.
6. إعادة توزيع الكوادر البشرية المعنية بالتوثيق وفق الهيكل الجديد، بما يخفف العبء عن القضاة ويتيح تفرغهم للعمل القضائي الأصيل.
7. وضع آليات تدقيق ورقابة مؤسسية دورية على أعمال كاتب العدل الشرعي والمنظومة الإلكترونية، صونًا لحقوق المتعاملين وضمانًا لسلامة الإجراءات.
إن إعادة النظر في المعرِّفين والشهود، واستحداث مسار كاتب العدل الشرعي، وسنّ تشريع ناظم لأعمال التوثيق، ليست أفكارًا متفرقة، بل حلقات مترابطة في مشروع واحد: إعادة هندسة منظومة التوثيق الشرعي. وهي فكرة تستحق أن تُطرح على طاولة الحوار القانوني والمؤسسي، بعيدًا عن افتراض أن كل إجراء قديم صحيح بالضرورة، أو أن كل ما اعتدنا عليه يجب أن يبقى كما هو.
فالأنظمة الناجحة لا تحافظ على الإجراءات لمجرد قِدمها، ولا تُلغيها لمجرد قِدمها أيضًا؛ بل تسائلها دومًا عن الغاية والضرورة والكفاءة والسند القانوني.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يقود مسار التحول الرقمي ليس: كيف نجعل الإجراء القديم إلكترونيًا؟ بل: هل نحتاج إلى هذا الإجراء أصلًا؟ وحين نمتلك الشجاعة المؤسسية لطرح هذا السؤال، نكون قد بدأنا فعليًا في إعادة هندسة الإجراءات. وعندما نفكر خارج الصندوق… تبدأ الحلول.