الاستيلاء على الجهد العلمي في الجامعات: المسؤولية القانونية في الأردن
أ. د. عادل الهاشم
12-10-2026 08:37 AM
لا يقتصر الاعتداء على الملكية الفكرية في البيئة الجامعية على نسخ بحث منشور أو نقل فقرات من كتاب دون الإشارة إلى مصدرها، بل قد يتخذ صورًا أكثر تعقيدًا تتمثل في الاستفادة من أفكار بحثية أو مقترحات رسائل علمية أو نماذج وأطر نظرية أعدّها باحث، ثم إعادة استخدامها أو تقديمها باسم شخص آخر دون الاعتراف بالجهد العلمي الأصلي.
وتزداد أهمية هذه المسألة في الجامعات حيث تتداخل العلاقات الأكاديمية والإشرافية والإدارية، وقد يضع أحد الباحثين خلاصة خبرته ووقته في بناء فكرة بحثية متكاملة قبل أن ترى النور في بحث منشور أو رسالة جامعية. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يجوز الاستفادة من جهد علمي اطّلع عليه الشخص بحكم موقعه أو وظيفته دون حفظ حق صاحبه في النسبة إليه؟
من الناحية القانونية، يشكّل قانون حماية حق المؤلف الأردني رقم (22) لسنة 1992 وتعديلاته أحد الأطر التشريعية المهمة لحماية المصنفات الفكرية المبتكرة في المجالات العلمية والأدبية والفنية. غير أن الحماية القانونية لا تنصرف بالضرورة إلى الفكرة المجردة وحدها، وإنما تتعلق بالتعبير المبتكر عنها وفق طبيعة المصنف وشروط الحماية. ولذلك فإن مجرد تشابه موضوعين بحثيين لا يكفي وحده لإثبات الاعتداء، بينما قد تكتسب المسألة أهمية قانونية أكبر عند الاستيلاء على صياغة علمية أصلية أو نموذج مبتكر أو مخطط بحثي متكامل أو مواد مكتوبة أعدّها الباحث، بحسب ظروف كل حالة.
كما أن غياب النشر لا يعني بالضرورة غياب الحماية، فقد يكون العمل العلمي في مرحلة الإعداد أو المراجعة أو التداول المحدود، ومع ذلك تظل طريقة التعبير المبتكرة عنه محل اعتبار قانوني متى توافرت شروط الحماية. ومن هنا لا ينبغي التعامل مع مقترح الرسالة العلمية باعتباره مجرد ورقة إدارية، فقد يتضمن جهدًا فكريًا منظمًا يظهر في صياغة المشكلة وبناء النموذج المفاهيمي وتحديد المتغيرات وأبعادها وصياغة الفرضيات وتطوير الإطار النظري والمنهجية البحثية.
ولا يعني ذلك أن كل فكرة أو عنوان أو متغير بحثي يتمتع تلقائيًا بحق حصري، إذ يتطلب الحكم التمييز بين الأفكار العامة والمناهج المتعارف عليها من جهة، والتعبير الأصلي والابتكار العلمي المحدد من جهة أخرى. ويظل إثبات الأصالة وأسبقية العمل وطبيعة الاستخدام والأدلة المتاحة من العناصر المهمة في تقييم الواقعة. كما أن تشابه عنوانين بحثيين أو اشتراك دراستين في بعض المتغيرات لا يكفي وحده للحكم بوجود اعتداء، بل يتطلب الأمر النظر في طبيعة الأعمال ومحتواها وأوجه التشابه بينها ومدى توافر شروط الحماية القانونية.
ولا تقف المسؤولية عند حدود قانون حماية حق المؤلف وحده، إذ قد يثير الاستيلاء على الجهد العلمي مسؤولية تأديبية أو أكاديمية وفق التشريعات النافذة وأنظمة الجامعة وتعليماتها، فضلًا عن أي مسؤولية مدنية أو جزائية تتوافر شروطها القانونية ومن الناحية العملية، تبرز أهمية التوثيق في حماية الحقوق وإظهار الحقيقة، فالاحتفاظ بالنسخ المؤرخة من المقترحات والمراسلات الإلكترونية ومحاضر الاجتماعات وتعليقات المشرفين وسجلات الإيداع والاعتماد وأسماء الشهود قد يساعد في إثبات تسلسل إعداد العمل ومساهمة كل شخص فيه. كما ينبغي أن تقوم أي شكوى على وقائع محددة وأدلة قابلة للتحقق، وأن تُعرض على الجهة المختصة بما يتيح سماع أقوال جميع الأطراف وتقديم ما لديهم من وثائق.
إن حماية الجهد العلمي ليست مسألة شخصية فحسب، بل هي جزء من نزاهة المؤسسة الجامعية وثقة المجتمع بمخرجاتها. فالجامعة التي تشجع البحث والابتكار مطالبة أيضًا بتوفير إجراءات واضحة لحماية حقوق الباحثين وتنظيم العمل المشترك وتحديد المساهمات العلمية والتحقيق المحايد في ادعاءات الانتحال أو الاستيلاء على الأفكار والأعمال البحثية.
وفي النهاية، فإن قيمة البحث العلمي لا تكمن في نشره وحده، بل تبدأ من احترام صاحبه والاعتراف بجهده وإرساء بيئة أكاديمية لا تتحول فيها المعرفة إلى وسيلة للاستغلال، ولا يصبح فيها الموقع الإداري بديلًا عن الاستحقاق العلمي. فالأمانة العلمية ليست مجرد قيمة أخلاقية ومهنية، بل قد يترتب على الإخلال بها، بحسب طبيعة الفعل والأدلة المتاحة، آثار تأديبية أو قانونية تستوجب التحقيق والمساءلة متى توافرت شروطها. ويبقى الاحتكام إلى الأدلة والقانون والإجراءات العادلة هو الطريق السليم لحماية الباحثين وصون مكانة البحث العلمي.