المليارات تتداول في البورصة .. لكن كم منها يصل إلى الاقتصاد؟
د.عدلي قندح
11-10-2026 09:26 AM
بات التحسن اللافت في أداء بورصة عمّان خلال عام 2025 معروفاً للجميع؛ إذ ارتفعت القيمة السوقية للشركات المدرجة إلى نحو 26.5 مليار دينار، بزيادة بلغت 50.1%، فيما وصلت قيمة التداول إلى نحو 2.2 مليار دينار، بارتفاع نسبته 80.6% مقارنة بالعام السابق.
واستمر هذا التحسن خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026. وتعكس هذه الأرقام نشاطاً ملحوظاً في السوق وتحسناً في تقييمات الشركات المدرجة، لكنها تطرح سؤالاً اقتصادياً مهماً: كم من الأموال التي جرى تعبئتها عبر سوق رأس المال وصل فعلياً إلى الشركات في صورة تمويل جديد، وكم منه استخدم في توسيع الاستثمار والإنتاج وفرص العمل؟
فالبورصة ليست مجرد مكان لتداول الأسهم وتحقيق العوائد، بل جزء أساسي من منظومة سوق رأس المال التي تسهم في تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو الشركات والمشروعات. غير أن العلاقة بين نشاط التداول وتمويل الاقتصاد ليست مباشرة كما قد يبدو.
التداول لا يعني تمويلاً جديداً
عندما يشتري مستثمر أسهماً بقيمة مليون دينار من مستثمر آخر، فإن المبلغ ينتقل إلى البائع، ولا يدخل إلى خزينة الشركة. وهذا هو الفرق بين السوق الثانوية، التي يجري فيها تداول الأوراق المالية القائمة، والسوق الأولية، التي تحصل الشركات من خلالها على تمويل جديد بإصدار أسهم أو أدوات دين.
وعليه، فإن تداول أسهم بمليارات الدنانير لا يعني حصول الشركات على مبالغ مماثلة، كما أن ارتفاع القيمة السوقية يعكس تغير تقييم المستثمرين لحقوق ملكية الشركات، وليس تدفقاً نقدياً جديداً إليها. ولا يقلل ذلك من أهمية السوق الثانوية؛ فالسيولة تسهل التداول وتحسن اكتشاف الأسعار، وقد تسهم في خفض تكلفة رأس المال وجعل الإصدارات الجديدة أكثر جاذبية. لكن السيولة تهيئ الظروف للتمويل، ولا تعني تحققه فعلياً.
ماذا تكشف بيانات عام 2025؟
وفقاً للبيانات التي أعلنها مركز إيداع الأوراق المالية الأردني عن أعماله خلال عام 2025، سُجلت زيادات في رؤوس أموال 22 شركة مساهمة عامة، بلغ مجموعها نحو 313 مليون سهم، مقابل تخفيضات في رؤوس أموال 12 شركة، بمجموع قارب 90 مليون سهم.
وقد توحي هذه الأرقام بوجود تدفقات تمويلية كبيرة إلى الشركات، لكن تسجيل أسهم إضافية لا يعني بالضرورة دفع أموال نقدية جديدة مقابلها؛ فقد تنشأ زيادة رأس المال عن اكتتاب نقدي، أو رسملة أرباح مدورة واحتياطيات، أو إصدار أسهم مقابل اندماج أو استحواذ، أو تحويل التزامات إلى حقوق ملكية.
كذلك فإن عدد الأسهم الإضافية لا يعبر عن قيمتها النقدية؛ إذ يتطلب تحديد حصيلة الإصدار معرفة سعر الاكتتاب الفعلي وطبيعة العملية. أما تخفيض رأس المال، فقد يرتبط بإطفاء خسائر متراكمة أو إعادة هيكلة رأس المال أو رد مبالغ إلى المساهمين، ولا يعني بالضرورة خروج تمويل نقدي من الشركة.
وهكذا، فإن البيانات تكشف حجم العمليات الرأسمالية المسجلة، لكنها لا تحدد مقدار الأموال النقدية الجديدة التي دخلت فعلياً إلى الشركات، وهو المقياس الأهم عند تقييم الوظيفة التمويلية للسوق.
ثلاثة مستويات لقياس الأثر الاقتصادي
لتقييم مساهمة سوق رأس المال في الاقتصاد، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة.
المستوى الأول: نشاط التداول، ويشمل قيمة التعاملات والسيولة وعدد الصفقات وحركة الأسعار، ويعكس نشاط السوق الثانوية دون أن يقيس مباشرة التمويل الجديد.
المستوى الثاني: تعبئة رأس المال الجديد، ويقيس حصيلة الطروحات الأولية والاكتتابات النقدية لزيادة رؤوس الأموال وإصدارات السندات والصكوك التي تحصل الشركات على قيمتها فعلياً، مع استبعاد العمليات غير النقدية والتمييز بين التمويل الجديد وإعادة تمويل الالتزامات.
المستوى الثالث: استخدامات التمويل، ويتعلق بكيفية توظيف الأموال التي جُمعت؛ هل استُخدمت في إنشاء مشروعات وخطوط إنتاج، أو تطوير التكنولوجيا والتوسع في التصدير، أم وُجهت إلى رأس المال العامل أو سداد الالتزامات أو الاستحواذات؟
ولا تتطابق هذه المستويات بالضرورة؛ فقد تحصل شركة على تمويل جديد لتسديد ديونها، بما يحسن مركزها المالي دون إنشاء طاقة إنتاجية مباشرة.
وقد تمول شركة أخرى توسعها من الأرباح المحتجزة أو القروض المصرفية دون إصدار أسهم جديدة. ولذلك ينبغي التمييز بين حجم التمويل المعبأ عبر السوق، وطبيعة استخداماته، وأثره الاقتصادي الفعلي.
أين تكمن الفجوة المعلوماتية؟
تنشر المؤسسات المعنية بسوق رأس المال الأردنية بيانات عن التداول والقيمة السوقية والإصدارات وزيادات رؤوس الأموال. لكن هذه البيانات الإجمالية لا تكفي وحدها للإجابة عن سؤال: كم رأس مال نقدياً جديداً حصلت عليه الشركات، وكيف استخدمته؟
وتتطلب الإجابة تجميع بيانات الإصدارات المنفذة، والتمييز بين النقدية وغير النقدية، ومراجعة نشرات الإصدار والإفصاحات والقوائم المالية لتحديد الاستخدامات المعلنة والفعلية للأموال.
ومن المهم أيضاً الفصل بين حصيلة الإصدارات الإجمالية وصافي التمويل، مع مراعاة الاستردادات وإعادة التمويل وتجنب احتساب العملية الواحدة أكثر من مرة.
ويبرز هنا سؤال يستحق أن يصبح جزءاً من التقييم السنوي للسوق: ما قيمة التمويل النقدي الجديد الذي عبأته الشركات عبر سوق رأس المال، وما نسبته إلى الاستثمار الخاص وإجمالي تكوين رأس المال في الاقتصاد؟
ويمكن أن تشمل هذه القراءة عدد الشركات المستفيدة، ومتوسط حجم الإصدارات، وتوزيع التمويل بين القطاعات، وحصة الشركات الجديدة مقارنة بالشركات القائمة. لكن مقارنة التمويل بالاستثمار الخاص تعكس حجمه النسبي، ولا تعني بالضرورة أن جميع الأموال المعبأة تحولت إلى استثمار إنتاجي.
البنوك والبورصة: تكامل لا تنافس
يعتمد الاقتصاد الأردني بدرجة كبيرة على القطاع المصرفي في تمويل الشركات والأفراد، بينما تتيح سوق رأس المال أدوات إضافية لتنويع مصادر التمويل وآجاله.
ولا ينبغي النظر إلى العلاقة بين البنوك والبورصة باعتبارها منافسة صفرية؛ فالقروض المصرفية تلبي احتياجات عديدة، بينما يوفر إصدار الأسهم تمويلاً لا يرتب التزامات سداد ثابتة، وتتيح السندات والصكوك خيارات أخرى للشركات.
ويمكن للبنوك نفسها أن تسهم في تطوير سوق رأس المال من خلال ترتيب الإصدارات وإدارة الاستثمارات وتقديم الخدمات الاستشارية والمالية.
وبذلك فإن تطوير الدور التمويلي للبورصة لا يستهدف إحلالها محل البنوك، بل بناء منظومة أكثر تنوعاً ومرونة في توفير التمويل للاقتصاد.
الشركات الجديدة هي الاختبار الأهم
في المقال السابق، الذي تناول فكرة مؤشر الهوية الاقتصادية للسوق (MEII) ، طرحنا سؤالاً عن قدرة بورصة عمّان على استيعاب الشركات والأنشطة الجديدة التي ينتجها الاقتصاد الأردني.
ويضيف المقال الحالي سؤالاً مكملاً: هل تستطيع هذه الشركات، عندما تدخل السوق، الحصول على التمويل اللازم لتوسيع أعمالها؟
فإدراج شركة جديدة يوسع قاعدة الشركات الممثلة في البورصة، لكن مساهمتها الاقتصادية تتعزز عندما تتمكن من تعبئة مدخرات المستثمرين لتمويل النمو والإنتاج والابتكار.
ولا يعني ذلك أن كل إدراج يجب أن يترافق مع إصدار أسهم جديدة؛ فقد يكون الإدراج خطوة لتوسيع قاعدة الملكية وتحسين السيولة والحوكمة، تمهيداً لإصدارات مستقبلية. وهنا تتكامل وظيفتان أساسيتان للسوق: تجديد قاعدة الشركات المدرجة، وتعبئة رأس المال اللازم لنموها.
ما المطلوب لتطوير الدور التمويلي؟
تحتاج منظومة سوق رأس المال الأردنية، بما فيها بورصة عمّان وهيئة الأوراق المالية ومركز إيداع الأوراق المالية والمؤسسات ذات العلاقة، إلى تطوير قياس أكثر وضوحاً لوظيفتها التمويلية، بحيث لا تقتصر قراءة الأداء على التداول والقيمة السوقية وحركة المؤشرات.
وأقترح إعداد تقرير سنوي متخصص بعنوان "تعبئة رأس المال عبر السوق"، يوضح حصيلة الإصدارات النقدية الفعلية للشركات، والطروحات الأولية، والسندات والصكوك، والقطاعات المستفيدة، مع التمييز بين التمويل الموجه للاستثمار الجديد والتمويل المستخدم لأغراض أخرى، وفق الإفصاحات المتاحة.
كما تبرز الحاجة إلى توسيع قاعدة المستثمرين المؤسسيين، وتطوير أدوات التمويل، وتحسين جاهزية الشركات للإدراج، وتبسيط الإجراءات دون المساس بالإفصاح والحوكمة وحماية المستثمرين.
ولا يتعلق الأمر بزيادة عدد الإصدارات لتحسين الإحصاءات، وإنما بتطوير سوق تستطيع الشركات المؤهلة الاعتماد عليها لتمويل التوسع والنمو.
من سوق للتداول إلى سوق لتكوين رأس المال
نعم حققت بورصة عمّان خلال عام 2025 مكاسب مهمة في أسعار الأسهم والقيمة السوقية ونشاط التداول، وهي تطورات إيجابية تستحق التقدير. لكن أهميتها الاقتصادية تتعاظم عندما تقترن بتعزيز قدرة السوق على تعبئة تمويل جديد للشركات وتوجيهه نحو استثمارات تدعم الإنتاج والتوظيف والنمو.
فليس المطلوب التقليل من أهمية التداول والسيولة، بل استكمال دور السوق الثانوية بدور أكثر فاعلية في تعبئة رؤوس الأموال عبر الإصدارات الجديدة.
والتحدي أمام بورصة عمّان هو الجمع بين الوظيفتين: توفير السيولة للمستثمرين، وفتح قنوات التمويل أمام الشركات، بما يعزز انتقالها من سوق تعيد تسعير الثروة القائمة إلى سوق تسهم أيضاً في صناعة الثروة الجديدة وتمويلها.