facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يصبح الكتاب حصنًا للهوية


د. فاطمة العقاربة
04-10-2026 10:53 AM

معرض عمّان الدولي للكتاب.. من فعل القراءة إلى صناعة الوعي الأردني

لم يكن المشهد الذي شهدته أروقة معرض عمّان الدولي للكتاب هذا العام مجرد ازدحام عابر أمام أجنحة دور النشر، ولا مجرد حركة بيع وشراء للكتب، بل كان مشهدًا ثقافيًا يستحق أن نتوقف عنده طويلًا.

أكثر من 400 ألف زائر مرّوا على المعرض في دورته الخامسة والعشرين، التي حملت عنوانًا شديد الدلالة: «الأردن: الأرض والإنسان»، بمشاركة نحو 400 دار نشر ومؤسسة من 22 دولة، وبرنامج ثقافي واسع ضم نحو 65 فعالية شارك فيها قرابة 220 كاتبًا ومثقفًا وباحثًا ومبدعًا.

هذه الأرقام لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها أرقام نجاح تنظيمي فقط، بل باعتبارها مؤشرًا على أن الكتاب ما يزال قادرًا على استعادة مكانه في المشهد العام، حتى في زمن أصبحت فيه الشاشة هي النافذة الأولى التي يطل منها الإنسان على المعرفة والأخبار والأفكار.

لسنوات، ارتبط الحديث عن الشباب في عصر التكنولوجيا بصورة الجيل الذي ابتعد عن الكتاب واتجه كليًا نحو الهاتف ومواقع التواصل الاجتماعي. لكن معرض
عمّان قدم صورة أكثر تعقيدًا.

الشاب الذي يحمل هاتفه ليس بالضرورة شابًا بعيدًا عن الكتاب، بل ربما يحتاج إلى خطاب ثقافي يعرف كيف يصل إليه من خلال الأدوات التي يستخدمها أصلًا.
وهنا تكمن أهمية الحضور الثقافي في الفضاء الرقمي.

فالتشجيع على القراءة لا يحتاج دائمًا إلى دعوة مباشرة تقول للشباب: «اقرؤوا الكتب». أحيانًا تكفي رسالة ثقافية تضع الكتاب في مركز الاهتمام، وتربط القراءة بالهوية والتاريخ والمستقبل، وتدفع الشاب إلى السؤال والبحث والذهاب إلى المعرض واختيار الكتاب الذي يخاطب اهتمامه.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة حضور وزير الثقافة مصطفى الرواشدة وتصريحاته ورسائله عبر منصة «إكس» بوصفها جزءًا من خطاب ثقافي يحاول إبقاء الكتاب حاضرًا في النقاش العام، لا داخل قاعات المعرض فقط.

فالرواشدة لم يتعامل مع المعرض باعتباره فعالية موسمية، وإنما ربطه بصناعة المعرفة والوعي، وبصناعة النشر، وبحفظ الذاكرة الوطنية والسردية الأردنية. ومن هنا فأن مقياس نجاح المعرض لا يرتبط بالفعاليات وحدها، وإنما بما ينتج عنها من معرفة ووعي في المجتمع.

وهذه في تقديري نقطة مهمة؛ لأن المسؤول الثقافي عندما يتحدث عن الكتاب بلغة قريبة من المجتمع، ويضعه في فضاء التواصل الرقمي، فإنه يساهم في تحويل القراءة من نشاط فردي إلى قضية ثقافية عامة.

كانت العبارة الأهم والاقوى في هذه الدورة هي: الأرض والإنسان.

فالأردن ليس مجرد جغرافيا، والهوية الأردنية ليست مجموعة شعارات أو صور محفوظة من الماضي.

الهوية قصة طويلة من علاقة الإنسان بالمكان، ومن تراكم التجارب والحضارات، ومن البناء الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي أنتج الأردن الذي نعرفه اليوم.

ولهذا فإن ربط معرض الكتاب بالسردية الأردنية يحمل معنى يتجاوز الاحتفاء بالماضي؛ إنه محاولة لإعادة تقديم التاريخ للأجيال الجديدة بلغة المعرفة والتوثيق والبحث.

وهذا تبرمج بحديث معالي الوزير أن مشروع السردية الأردنية يهتم بحكاية الأرض والإنسان، وأن الكتاب والتوثيق يشكلان وسيلتين أساسيتين لحفظ الذاكرة الوطنية وفتح مساحات جديدة لقراءة التاريخ والمجتمع والهوية.

ولا ننسى بحفل الافتتاح ذهب معالي الرواشدة إلى استحضار أحد الشواهد الحضارية المرتبطة بالأردن، عندما تحدث عن جذر الخط النبطي الذي نشأ على أرض الأردن وتطور لاحقًا إلى الحرف العربي الحديث، في محاولة لربط الكتاب الذي نقرأه اليوم بتاريخ أقدم من حدود اللحظة الراهنة.

فنحن نعيش عصرًا لم تعد فيه معركة الوعي تجري فقط في الكتب والصحف والمدارس والجامعات.

جزء كبير منها يحدث الآن على شاشة صغيرة.

صورة، مقطع فيديو، تغريدة، منشور، رواية تاريخية مختصرة أو معلومة غير دقيقة يمكن أن تصل إلى ملايين الناس خلال ساعات.

ولهذا فإن تحصين الهوية لا يمكن أن يكون فقط بترديد الشعارات الوطنية، وإنما بامتلاك المعرفة.

المعرفة هي التي تجعل المواطن قادرًا على السؤال: من أين جاءت هذه المعلومة؟ ما مصدرها؟ هل هي دقيقة؟ وما السياق التاريخي الذي وضعت فيه؟

ومن هنا يصبح الكتاب أحد أدوات الأمن الثقافي والمعرفي للمجتمع.

فالأمة التي تعرف تاريخها تستطيع أن تناقشه، وتراجعه، وتطوره، وتصحح ما يحتاج إلى تصحيح، لكنها لا تسمح للآخرين بأن يكتبوا عنها تاريخها من دون أن يكون لها صوتها ومصادرها وذاكرتها.

الأهم أن السردية الأردنية، كما ظهرت في الفعاليات الثقافية الأخيرة متزامنة مع المعرض، لا تقوم على رواية أحادية جامدة، وإنما تفتح الباب أمام الباحث والمؤرخ والأكاديمي والكاتب والمواطن والشاب للمساهمة في توثيق قصة الأردن.

وهذا ما يرفع من قيمة المشروع الثقافي؛ لأن التاريخ ليس فقط ما كتب في الكتب القديمة، بل أيضًا ما تحفظه ذاكرة الناس، وما تركه الأجداد من صور ووثائق وقصص وتجارب ومهن وعادات وأماكن.

ولا ننسى منصة «قصص من الأردن» بهدف إتاحة المجال للمواطنين والباحثين والشباب والهواة للمساهمة في توثيق التاريخ والتراث من خلال الصور والقصص والفيديوهات والتجارب.

وهنا تلتقي السردية الأردنية مع الإعلام الاجتماعي.

فالشاب الذي كان مستهلكًا للمحتوى يمكن أن يصبح منتجًا للمحتوى؛ يصور قرية والده، يوثق حكاية جدته، يبحث في تاريخ مدينته، يسجل شهادة أحد كبار السن، أو يعيد تقديم معلومة تاريخية موثقة عبر منصة رقمية.

وهكذا لا تصبح الهوية شيئًا يُلقّن للجيل الجديد، بل شيئًا يشارك هو في اكتشافه وتوثيقه وصناعته.

من هنا يمكن فهم أهمية الرسائل التي يوجهها وزير الثقافة عبر منصة «إكس» وفي تصريحاته المختلفة.

إنها ليست بالضرورة دعوات مباشرة للشباب للذهاب إلى المعرض أو شراء كتاب، وإنما تضع الثقافة في المجال الذي يتحرك فيه الشباب يوميًا.

حين يتحدث المسؤول الثقافي عن الكتاب، وعن السردية، وعن تاريخ الأردن، وعن النشر، وعن المستقبل الرقمي، فهو يلفت الانتباه إلى أن الثقافة ليست شأنًا نخبويًا منفصلًا عن حياة الناس.

والرسالة الأهم هنا أن الكتاب يمكن أن يعيش مع التكنولوجيا بدل أن ينافسها.

فليس المطلوب أن نعيد الشباب إلى الماضي، وإنما أن نمنحهم أدوات معرفية تجعلهم أكثر قدرة على التعامل مع المستقبل.

معرض عمّان الدولي للكتاب اكثر من انه معرض

بعد خمسة وعشرين عامًا، أصبح معرض عمّان الدولي للكتاب جزءًا من المشهد الثقافي الأردني، وتحول من فعالية متخصصة بالكتاب إلى تظاهرة ثقافية وفكرية ومنصة للحوار والتبادل المعرفي، بحسب وزارة الثقافة.

لكن القيمة الأهم ليست في أن يفتح المعرض أبوابه ثم يغلقها.

القيمة الحقيقية أن يستمر أثره بعد انتهاء المعرض.

أن يعود الطالب إلى جامعته ومعه كتاب.

أن تعود الأسرة إلى منزلها ومعها رواية أو كتاب تاريخ أو فكر.

أن يبدأ شاب بالبحث عن تاريخ مدينته.

أن يكتشف قارئ جديد كاتبًا أردنيًا.

وأن تتحول الزيارة من صورة تلتقط داخل المعرض إلى فكرة تبقى في العقل.

ربما يكون السؤال الأهم بعد انتهاء هذه الدورة ليس: كم زائرًا حضر المعرض؟ بل

كم قارئًا جديدًا خرج من المعرض؟

وكم شابًا بدأ ينظر إلى تاريخ الأردن بطريقة مختلفة؟

وكم كتابًا سيُقرأ بعد أن أُغلق المعرض؟

وكم قصة أردنية ستُكتب أو توثق أو تُستعاد من الذاكرة؟

إن نجاح معرض الكتاب لا يقاس فقط بعدد الزوار، وإنما بقدرته على ترك أثر في الوعي.

ولذلك فإن معرض عمّان الدولي للكتاب في يوبيله الفضي لم يكن احتفالًا بالكتاب فقط، بل كان تذكيرًا بأن الهوية التي تُقرأ تُفهم، والتاريخ الذي يُوثق لا يُترك فريسة للنسيان، والوطن الذي يعرف أبناؤه قصته يكون أكثر قدرة على كتابة فصوله القادمة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :