من أعطى العمر كل هذه السلطة؟
رهام الحكيم
14-10-2026 11:38 AM
ماذا لو قيل لك اليوم إنك معفى تماماً من ذكر تاريخ ميلادك، وأن كل أوراقك الرسمية قد قُطِعت، وأنه بوسعك أن تختار الرقم الذي تشعر به... كم سنة كنت ستعطي نفسك ؟
هل ستختار عمر شغفك؟ أم عمر خيباتك؟ أم العمر الذي ترى فيه العالم بعيني طفل لم يفقد دهشته؟
إذا كان لكل إنسان عمر في الأوراق، وعمر يشعر به، وعمر ثالث يراه الآخرون فيه... فأيها العمر الحقيقي؟
ربما لا نملك عمراً واحداً كما نظن، فهناك دائماً مسافة خفية بين العمر الحقيقي ، وبين ذلك العمر الذي يشعر الإنسان أنه يعيشه عندما يكون وحده ، وبين العمر الذي يفرضه الأخرون علينا ويريدون أن نرتديه كقالب جاهز .
كذبة القالب التي صُنعت حول العمر هي أننا صدقنا أن السنوات هي التي تحدد ما يجب أن نكون بناءً على أعمارنا لا على ما تضيفه السنوات إلينا ولا على قدراتنا وكفاءتنا، فترانا نقع يومياً في فخ الصور العمرية القديمة؛ فالصغير يُحرم من فرصة بحجة أنه "أصغر من أن يفهم أو لا يمتلك الخبرة الكافية "، فيقال له "بكير لسه صغير " والكبير يُستبعد لمجرد أن عمره تجاوز رقماً معيناً ، ويقال له " راحت عليك او فاتك القطار "
وعندها نكتشف فقط أن كثيراً مما خفنا منه بشأن العمر كان مجرد صورة صنعها المجتمع في رأسنا . ففكرة أن في هذا العمر مبكر عليك فعل ذلك، وفي هذا العمر يجب أن تكون حققت كذا وكذا ، وبعد هذا العمر لا يصح أن تبدأ ، وفي عمر معين يجب أن تتوقف عن أشياء معينة ! هي صورة أعتقد أنها غير منصفة؛ فالأجدر أن نحكم على الإنسان من خلال قدراته وكفاءته ومرونته العقلية وقدرته على التجديد والإضافة، لا من خلال عدد السنوات التي عاشها.
فمن أعطى العمر كل هذه السلطة ؟!!
في علم النفس، هناك نوعان من الذكاء يختلفان في طريقة تطورهما مع تقدم الإنسان في العمر؛ الذكاء السائل والذكاء المتبلور.
الأول هو الذكاء السائل، الذي يميل إلى بلوغ ذروته في مرحلة مبكرة من العمر، ويرتبط بسرعة التفكير، والتفكير المنطقي، والقدرة على حفظ الأرقام ومعالجتها، وحل المعادلات والمشكلات الجديدة دون الاعتماد على خبرة سابقة. ويمكن للفضول والتعلم المستمر والتدريب أن يساعد في الحفاظ على المرونة الذهنية وتنشيط القدرات العقلية مع التقدم في العمر.
أما الثاني فهو الذكاء المتبلور، وهو ما يتراكم لدينا من معرفة وخبرة وفهم مع التعلم والتجربة ومرور السنوات. ومع تقدم العمر، لا يعني الأمر أن العقل يذبل ؛ فبينما قد تتغير بعض قدراته، تتراكم لدينا الخبرات والمعارف. وكأن السنوات لا تضيف إلى حياتنا أرقامًا فحسب، بل تجمع آلاف التجارب والخيبات والنجاحات لتتشكل في" بلورة " مع الوقت، لتمنحنا فهمًا أعمق للحياة ورؤية أوسع للأمور.
فإذا كانت بعض قدراتنا تتغير مع مرور السنوات ، فإن قدرات أخرى تنمو وتتراكم بفضل ما نكتسبه من معرفة وخبرات وتجارب . فلماذا نميل إلى ربط التقدم في العمر بالتراجع .
وإذا كان هناك أصلًا شيء اسمه «منتصف العمر»، فلماذا نفترض أنه بداية التراجع؟ ربما يكون النصف الأول من الحياة مخصصاً لبناء حياتنا كما يجب أن تكون ؛ الدراسة والعمل وتحمل المسؤوليات واثبات الذات ومحاولة الوصول إلى المكان الذي نعتقد أننا نريده . أما النصف الثاني فربما يكون الأعمق... إنه الوقت للذهاب إلى الداخل، لاكتشاف الذات الحقيقية والتحرر من آراء الآخرين والوصول إلى نوع من المصالحة مع الروح. ليس لأننا توقفنا عن الحياة ، بل لأننا بدأنا نفهمها بطريقة مختلفة .
ولهذا لا اعتقد أننا نحتاج إلى محاربة العمر أو انكاره أو التظاهر بأننا أصغر مما نحن عليه ، على العكس، العمر يستحق منا الإحترام والتقدير .
الحياة تغيرت، ومتوسط أعمار الناس أصبحت أطول ، لكننا ما زلنا نضع الناس في خانات عمرية قديمة تناسب حياة أقصر رغم أن الحياة نفسها تغيرت . فمثلا الشخص الذي كان يُنظر إليه في الستين او السبعين أنه بلغ "نهاية المطاف"، قد تجده اليوم موظفاً أو مسافراً أو رياضياً أو يتعلم شيئاً جديداً أو يبدأ مشروعاً جديداً، أو يكتشف هواية لم يجد لها وقتاً من قبل. ليس لأن الستين او السبعين أصبحت عشريناً، بل لأن معناهما نفسه تغير بتغير متوسط الأعمار .
ليس كل من كبر في السن قد هرم، وليس كل من صغر في عمره يعيش شاباً. صحيح أن الجينات قد تلعب دوراً في ملامح الشكل وفي ظهور علامات التقدم بالعمر من عدمه ، لكن أعتقد أن هناك شيئا آخراً لا علاقة له بالملامح... بل بالشغف، والروح، والقدرة على أن تظل للحياة مساحة في داخل الشخص.
فكثيرون يتقدمون في العمر ولا يبدو عليهم التقدم في العمر بل تراهم ما يزالون يحتفظون بأشياء أحبوها منذ طفولتهم؛ أغنية قديمة ما زالت تسعدهم، وفيلم كرتوني ما زال يضحكهم، أولعبة أو كتاب أو مكان أو هواية، أو حتى عادة صغيرة كانوا يفعلونها وهم أطفال، وما زالوا يفعلونها اليوم.
هؤلاء لم يفقدوا قدرتهم على الشغف، ولا يزالون يجدون متعة في أشياء قد تبدو بسيطة في نظر الآخرين.
وفي المقابل، هناك من يفقد اهتمامه بكل شيء تقريباً وهو ما زال في مقتبل العمر لأنه فقد فضوله وشغفه بالحياة.
فنحن لا نحتاج إلى التخلص من الطفل الذي كنا عليه لنصبح ناضجين. يمكننا أن نكبر في وعينا ومسؤولياتنا، ونحتفظ في الوقت نفسه بتلك الروح التي تفرح وتندهش؛ فالمشكلة ليست في أننا نكبر، بل في أن نفقد ذلك الجزء الذي يمنحنا الفرح.
ربما آن الأوان لأن نعيد النظر في السلطة الممنوحة للعمر وألا نجعلها حكماً مسبقاً على قدرات الإنسان أو فُرَصِه ، أو ما بامكانه تحقيقه .
فالعمر يستحق منا الاحترام... لكنه أبداً لا يستحق أن نمنحه حق تقرير حياتنا.
صفحة "شيء من كل شيء "