جمعية يافا وذكريات الأمس مع المرحوم د. أحمد صدقي الدجاني
السفير د. موفق العجلوني
14-10-2026 12:18 PM
* حين تجتمع فصاحة اللغة مع تواضع الإنسان
أعادتني الأمسية الثقافية التي نظمتها جمعية يافا للتنمية الاجتماعية، برئاسة السيد ميشيل الصايغ، يوم أمس، لإحياء ذكرى المفكر والمؤرخ الفلسطيني الراحل الدكتور أحمد صدقي الدجاني، إلى ذكريات شخصية أعتز بها، تعود إلى عامي 1982 و1983، حين أتيحت لي فرصة معرفة هذا الرجل عن قرب، خلال مرافقتي لوفد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في زياراته إلى عمّان من خلال عملي الدبلوماسي في إدارة المراسم في وزارة الخارجية .
لقد استمعت باهتمام إلى ما طُرح في هذه المناسبة من استذكار لمسيرة الراحل وإرثه السياسي والفكري والثقافي، وهو ما أعاد إلى ذاكرتي صورة رجل لم يكن مجرد مفكر وسياسي فلسطيني، بل كان شخصية أدبية وثقافية متميزة، تجمع بين فصاحة اللغة العربية، وعمق الفكر، والتواضع، والالتزام الوطني والإيماني.
وأجد في هذه المناسبة فرصة لأضيف إلى ما قيل شهادة شخصية عن إنسان سعدت بالحديث معه، وأعجبت بثقافته وأسلوبه، ولا سيما استخدامه اللغة العربية الفصحى في حياته اليومية، بما يعكس أصالة انتمائه واعتزازه بلغته وهويته.
إن ما يجمع بين كلمات الوفاء التي شهدتها جمعية يافا وذكرياتي الشخصية مع الدكتور الدجاني هو أن قيمة الإنسان الحقيقية لا تتوقف عند المناصب التي شغلها أو الكتب التي ألّفها، بل تمتد إلى الأثر الذي يتركه في نفوس الآخرين، وإلى القيم التي تبقى حاضرة بعد رحيله.
إن استذكار القامات الوطنية والفكرية لا يكتمل بالحديث عن إنجازاتها ومواقفها فحسب، بل يكتمل أيضًا باستحضار الجانب الإنساني من شخصياتها، وما تركته في نفوس الذين عرفوها عن قرب. ومن هذا المنطلق، أعادتني مناسبة الاحتفاء بذكرى المرحوم الدكتور أحمد صدقي الدجاني، التي أقامتها جمعية يافا برئاسة السيد ميشيل الصايغ، إلى سنوات مضت، وتحديدًا إلى عامي 1982 و1983، حين أتيحت لي فرصة معرفة هذه الشخصية الفلسطينية العربية المتميزة عن قرب.
لقد تابعت باهتمام ما طُرح في هذه المناسبة، وما تفضل به السيد ميشيل الصايغ، وما عبر عنه نجله الدكتور الطيب و كريماته مزنى و بسمة من كلمات ومشاعر تستحضر سيرة والد ترك أثرًا عميقًا في الفكر والثقافة والسياسة، وفي حياة أسرته وكل من عرفه. وقد وجدت في هذا اللقاء امتدادًا جميلًا للوفاء لرجل لم يكن مجرد صاحب موقع سياسي أو أكاديمي، بل كان صاحب شخصية متفردة تجمع بين العلم والأدب والالتزام الوطني والتواضع الإنساني.
وقد أعادتني هذه الكلمات إلى ذكرياتي الشخصية مع المرحوم، عندما كنت أرافق الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والوفد المرافق له خلال زياراته إلى عمّان، وإقامته في قصر الضيافة في جبل عمّان، في تلك المرحلة التي كان فيها الدكتور أحمد صدقي الدجاني عضوًا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
كان الدكتور الدجاني يقيم في فندق عمرة، وكنت ألتقيه ونسير معاً من فندق عمره الى قصر الضيافة ( دون حرس او مرافقين ...!!!) أستمتع بالحديث معه، معجبًا بثقافته الواسعة وشخصيته الأدبية والسياسية والدبلوماسية. لم يكن الحديث معه مجرد تبادل للكلمات أو مناقشة للشؤون السياسية، بل كان تجربة ثقافية وإنسانية ثرية، تشعر فيها بأنك أمام رجل تشكّلت شخصيته من عمق المعرفة، وأصالة اللغة، وسعة الاطلاع، وهدوء الطبع.
وكانت اللغة العربية الفصحى واحدة من أبرز ما شدّني إليه. فقد كان يتحدث بها بسلاسة وجمال، وكأنها جزء أصيل من تكوينه اليومي، لا لغة يستحضرها للمناسبات والخطابات فقط. وكنت أجد متعة خاصة في الإصغاء إليه، لما في حديثه من جزالة في التعبير، ودقة في اختيار الكلمات، وهدوء يضفي على كلامه وقارًا محببًا. وقد بلغ إعجابي بهذا الجانب أنني كنت أستشعر فيه صورة المثقف الذي لا يكتفي بمعرفة اللغة، بل يعيشها ويمارسها في حياته.
ولعل من أجمل ما بقي في ذاكرتي أن استخدامه العربية الفصحى لم يكن مقصورًا على لقاءاته العامة، بل كان، بحسب ما لمسته، حاضرًا أيضًا في حديثه مع زوجته وأبنائه. وكان ذلك يعكس علاقة عميقة باللغة والثقافة، ويعبّر عن قناعة بأن اللغة ليست وسيلة للتخاطب فحسب، بل هي هوية وذاكرة وانتماء، وأمانة تنتقل من جيل إلى جيل.
وأذكر كذلك أنني كنت ألاحظ فيه تواضعًا لافتًا، بعيدًا عن مظاهر التكلف والاستعراض. فلم يكن حريصًا على إظهار مكانته السياسية أو إحاطة نفسه بالمظاهر التي قد تصاحب أصحاب المواقع والمسؤوليات. ومن الأمور التي لفتت انتباهي، على وجه الخصوص، عدم رغبته في أن يرافقه حرس شخصي، على خلاف ما كان مألوفًا لدى بعض أعضاء اللجنة التنفيذية. وقد ترك ذلك في نفسي انطباعًا عن إنسان يعتز بقيمه، ويجد في البساطة والتواضع ما يغنيه عن مظاهر الحماية والوجاهة.
ومن الذكريات التي أستحضرها أيضًا اللقاءات التي كانت تجمع الرئيس الراحل ياسر عرفات بجلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله. ففي تلك اللقاءات، كنت أجد أن حديث الدكتور الدجاني باللغة العربية الفصحى، بما يحمله من ثقافة وأدب وعمق في الطرح، كان يحظى باهتمام جلالة الملك وإعجابه. وكانت تلك المشاهد تؤكد لي أن الثقافة الحقيقية قادرة على أن تفرض حضورها في أرفع المجالس، وأن الكلمة الرصينة قد تكون أبلغ أثرًا من كثير من مظاهر القوة والمكانة.
ولم يكن إعجابي بالدكتور الدجاني نابعًا من ثقافته اللغوية وحدها، بل من اجتماع عدة خصال في شخصيته: المفكر الذي يقرأ الواقع بعين الباحث، والسياسي الذي يحمل همّ قضيته الوطنية، والأديب الذي يعرف قيمة الكلمة، والإنسان المتواضع الذي لا تفصله مسؤولياته عن الناس. كما كان الجانب الإيماني حاضرًا في صورته التي عرفتها، بما أضفى على شخصيته قدرًا من السكينة والاتزان.
وهنا تكمن قيمة مثل هذه اللقاءات؛ فهي تمنح الذين لم تتح لهم فرصة معرفة الراحل فرصة الاقتراب من شخصيته، بينما تتيح لمن عرفوه أن يستعيدوا ذكرياتهم ويضيفوا إليها شهاداتهم الحية. فالسيرة المكتوبة توثّق المناصب والإنجازات والمؤلفات، أما الشهادة الشخصية فتضيء تفاصيل قد لا تسجلها الكتب: نبرة الصوت، وطريقة الحديث، والتواضع في التعامل، واحترام الآخرين، والأثر الذي يتركه الإنسان في نفوس من يلتقونه.
لقد كان المرحوم الدجاني، في تجربتي الشخصية معه، نموذجًا للمثقف الفلسطيني الذي جمع بين الانتماء الوطني والوعي العربي والاعتزاز باللغة والثقافة. وقد أثبتت مسيرته الفكرية والسياسية أن حضوره لم يكن محصورًا في مرحلة بعينها.
رحم الله الدكتور أحمد صدقي الدجاني، وجزاه الله خيرًا على ما قدمه لفلسطين والثقافة العربية. وعزاؤنا بوجود خلفه الصالح: الدكتور الطيب وبسمة ومُزنى والسيرة العطرة التي تركها خلفة. واختم حديثي بقوله تعالي الاية ٢٣ من سورة الاحزاب بعد بسم الله الرحمن الرحيم:
لآية الكريمة "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ ينتظر ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" . صدق الله العظيم
* مدير عام مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me