من عدّ الأبحاث إلى تعظيم أثرها: كيف نبني على إنجازنا العلمي؟
د. صائب الخصاونة
14-10-2026 11:53 AM
حظيت أخبار تكريم مجموعة من الباحثين في الجامعات الأردنية، بعد إدراجهم ضمن أفضل 2% من الباحثين عالميًا وفق تصنيف يستند إلى بيانات الاستشهادات العلمية، باهتمام واسع على مواقع التواصل الاجتماعي.
بدايةً، يحق لنا أن نفخر بهذه الكوكبة من الباحثين والعلماء الأردنيين، وأن نثمّن جهودهم وإنجازاتهم. فالتميز البحثي يستحق التقدير، ويعكس جهدًا علميًا ومعرفيًا مهمًا. لكن هذه المناسبة تتيح لنا أيضًا فرصة للتفكير في كيفية البناء على هذا الإنجاز، وتعظيم أثر البحث العلمي في المجتمع.
فإلى جانب السؤال عن عدد الأبحاث المنشورة ومكانتها العلمية، من المهم أن نسأل: ماذا أضافت هذه الأبحاث إلى المعرفة والممارسة؟
في مجال التربية، مثلًا، كم بحثًا أسهم في تطوير أساليب التدريس، أو تحسين التعلم، أو ابتكار تطبيقات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تساعد المعلمين والطلبة؟ وفي الطب، ما الإسهامات البحثية التي يمكن أن تدعم تطوير التشخيص والعلاج؟ وفي الهندسة والصناعة، كيف يمكن توظيف نتائج الدراسات في تحسين الإنتاج وتطوير التقنيات ومعالجة التحديات العملية؟
هذه الأسئلة لا تقلل من أهمية النشر في المجلات العلمية المرموقة، ولا من قيمة التصنيفات العالمية، بل تدعو إلى استكمال مؤشرات الإنتاج البحثي بالاهتمام بما تحققه الأبحاث من أثر علمي وتطبيقي ومجتمعي، مع مراعاة اختلاف طبيعة التخصصات وأن بعض النتائج تحتاج إلى وقت حتى تظهر ثمارها.
وهنا تبرز أهمية التكامل بين الباحث والجامعة ومؤسسات الدولة والقطاعات المختلفة. فالباحث يسهم في إنتاج المعرفة وتوضيح نتائجها وإمكانات الاستفادة منها، فيما تستطيع الوزارات والمؤسسات التربوية والطبية والهندسية والصناعية وغيرها تحديد التحديات التي تحتاج إلى حلول علمية، والتعاون مع الجامعات في اختبار النتائج وتطبيقها. كما يتيح التعاون الدولي فرصًا لتبادل الخبرات وتطوير الابتكارات والإسهام في معالجة التحديات المشتركة.
وفي هذا السياق، يستحق دور الجامعات وعمادات البحث العلمي اهتمامًا خاصًا. فقد رأينا جامعات أردنية عديدة تحتفي بباحثيها وتشارك إنجازاتهم مع المجتمع، وهي مبادرات إيجابية تسهم في تعزيز مكانة البحث العلمي وتقدير العلماء. ويمكن البناء على هذه المبادرات من خلال تنظيم لقاءات مع الباحثين المتميزين لمناقشة نتائج دراساتهم، واستكشاف فرص تطويرها وتطبيقها، والتواصل مع الجهات الوطنية والدولية التي يمكن أن تستفيد منها.
كما يمكن للجامعات تطوير سياسات تمويل البحث العلمي وحوافزه، بحيث توازن بين جودة النشر ومكانته العلمية، وبين الإضافة المعرفية، وفرص التطبيق، والأثر المتحقق كلما أمكن قياسه. فالمطلوب ليس استبدال معيار بآخر، بل اعتماد رؤية متكاملة تراعي تنوع الأبحاث وأهدافها ومراحل تطورها.
ونحن نعيش عصرًا تتسارع فيه التحولات العلمية والتقنية، ولا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية بناء جسور فاعلة بين البحث العلمي واحتياجات المجتمع. فالجامعة لا تنتج المعرفة فحسب، بل تستطيع أيضًا أن تؤدي دورًا محوريًا في ربطها بالتعليم والصحة والصناعة والاقتصاد وصناعة القرار.
إن البحث العلمي قد يحقق قيمة كبيرة بمجرد إضافته إلى المعرفة الإنسانية، حتى إن لم يتحول مباشرة إلى منتج أو تطبيق. ومع ذلك، فإن استكشاف فرص الاستفادة من نتائجه يظل مسؤولية مشتركة تستحق أن تحظى بمزيد من الاهتمام.
دعوة للنقاش
كيف يمكن للجامعات الأردنية أن تعزز التكامل بين التميز في النشر العلمي والأثر البحثي؟ وما أفضل السبل لتعزيز التعاون بين الباحثين والجامعات ومؤسسات الدولة والقطاعات المختلفة، بما يتيح الاستفادة من نتائج الأبحاث في تطوير الممارسة وحل المشكلات؟
إن الاحتفاء بباحثينا هو موضع فخر، والبناء على إنجازاتهم فرصة لتعزيز دور الجامعات في التنمية. ولعل السؤال الذي يستحق أن يرافق احتفاءنا هو: كيف نحوّل تميزنا البحثي إلى معرفة أعمق، وشراكات أوسع، وأثر أكبر في المجتمع؟