facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ديمقراطية الهياكل العظمية .. تعديلات القائمة الحزبية


د. محمد العزة
17-10-2026 07:34 PM

نعم، الديمقراطية عندنا صورة داخل برواز جامد، بلا صوت ولا روح؛ هياكل عظمية سلخ صانعوها لحمها، وجرّدوها من ثيابها، ثم وضعوا أنفسهم واجهة لها، تاركين جلد الماعز خلفية لمشهدها، وحين جف ذلك الجلد، زينوا به جدران البرلمان، وأقاموا له نصباً تذكاريا في وسط ميدان أسموه "ميدان الديمقراطية".

أقاموا المهرجانات والاحتفالات والمؤتمرات، وأسّسوا المؤسسات المعنية بمتابعة الديمقراطية والاهتمام بشؤونها، وخصصوا لها يوما ومناسبة وطنية تحت عنوان الاستحقاقات الانتخابية الديمقراطية، لكن، لو نزعنا تلك الخلفية، لوجدنا القوم يتنازعون فيما بينهم على حق الوصاية والسقاية، وعلى من يتولى رعاية الطقوس الوثنية السياسية، سواء أكانوا من اليمين أم من التيار المحافظ أم من اليسار، فلكلّ منهم إله سلطة، وديكتاتور يتربع على عرش القيادة، ودستور داخلي يمنحه حق البقاء على كرسي المنصب، أو يتيح انتخابه بالتوافق والإجماع، في مشهد يقدم لنا باعتباره قمة الحرية والديمقراطية.

تلك هي الديمقراطية في أبهى نسختها العربية التي نؤمن بها ونمارسها، أو ندعي ممارستها، في برلماناتنا وأحزابنا ونقاباتنا واتحادات الغرف التجارية والصناعية والجمعيات الخيرية، بل وحتى في اجماعاتنا العشائرية والعائلية، وكأننا نعيش عصر الجاهلية السياسية الديمقراطية، حيث تتبدل الوجوه والشعارات، بينما تبقى العقلية ذاتها، ويظل كرسي القيادة حكرا على أصحابه.

إنها جاهلية تكفر بالتعددية والتشاركية والبرامجية، وترفض تداول السلطة وتبادل الأدوار، وتتعامل مع الاختلاف باعتباره تهديداً للزعامة، لا مصدراً للإثراء والتطوير.

جاهلية تدعو جهاراً نهاراً إلى تمكين المرأة والشباب، وتجديد القيادات وضخّ دماء جديدة في الحياة السياسية، لكنها تمارس في الخفاء وأد الأحلام، وكأن طموحات هذه الفئات خطيئة تستوجب الدفن قبل أن تكبر وتطالب بحقها في المشاركة وصناعة القرار.

والحقيقة التي يحاول هذا المشهد إخفاءها أن المطلوب من المرأة والشباب، في كثير من الحالات، لا يتجاوز استكمال شروط تسجيل حزب سياسي لدى الهيئة المستقلة للانتخاب، وإضفاء ديكور الشرعية على وجوده، ثم يتحول الحديث عن التمكين إلى شعار للاستهلاك السياسي، لا ممارسة فعلية تتيح الوصول إلى مواقع القيادة وصناعة القرار.

أما بعض أحزابنا، فقد اختزلت العمل الحزبي في احتكار الأسماء والمواقع، وإصدار البيانات، وعقد الورش والندوات والمؤتمرات، بينما تسير حياتها التنظيمية على خطى البرجوازية السياسية الناعمة، الغائبة عن أحوال الناس وهمومهم وأولوياتهم. أحزاب تتحدث باسم المجتمع، لكنها لا تنجح بالضرورة في الوصول إلى نبضه، ولا سيما نبض الأغلبية الشعبية الصامتة التي أصابها الملل من رتابة الأداء، وتكرار الأسماء والوجوه، وإعادة تدوير القيادات ذاتها تحت عناوين وشعارات متجددة.

وفي المقابل، أخذت هذه الأغلبية تتململ، وتبحث عن صوت يعبر عن مطالبها وتطلعاتها، في ظل تصاعد أصوات الاحتجاج والتعبير عن المظلومية، وهي أصوات تتضمن مطالب محقة، تتحدث عن الاسعار والغلاء وضعف الرواتب والقوة الشرائية، عن الفقر والبطالة وغياب العدالة الاجتماعية، ومشاريع التنمية الاقتصادية، ما يستوجب الإنصات والمعالجة، فيما قد تتسلل أجندات أو محاولات استثمار خارجي للفراغ الذي خلفه ضعف الأداء الداخلي وعجز بعض المؤسسات عن استعادة ثقة الناس.

وإذا أردنا الخلاص من أحزاب ديمقراطيات الهياكل العظمية، والخروج من ظلمات الجاهلية السياسية في عصرنا الحديث، فعلينا أن نبدأ من مراجعة قواعد اللعبة السياسية ذاتها، لا الاكتفاء بتجميل واجهتها، ويأتي في مقدمة ذلك تعديل قانون الانتخاب، وإعادة النظر في آليات تشكيل القوائم الحزبية، والذهاب نحو خيار القائمة النسبية المفتوحة، بما يعزز فرص الاختيار والمنافسة داخل القوائم، ويمنح الناخب دورا أوسع في تحديد ممثليه، بدلاً من أن تبقى الأسماء والمراتب رهينة التوافقات المغلقة وقرارات القيادات.

فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، ولا أرقاما تُعلن بعد فرز الأصوات، ولا مقاعد تتوزع بين أحزاب تتشابه في بنيتها الداخلية وإن اختلفت في شعاراتها. الديمقراطية ممارسة يومية تبدأ من داخل الحزب نفسه، ومن حق العضو في الاختيار والمساءلة والمنافسة، وتنتهي بتداول حقيقي للسلطة، واحترام إرادة الناخب، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ولعل اعتماد القائمة النسبية المفتوحة يشكّل بداية لفتح كوة في قشرة البطيخة التي طال انتظار الشعب للوصول إلى لبّها، وتذوّق ثمار المشاركة السياسية الحقيقية، أسوةً بأعضاء نادي الطبقة الرأسمالية السياسية الذين أتقنوا الوصول إلى مواقع النفوذ والسلطة والمحافظة عليها.

فهل نريد ديمقراطية تُنتج قيادات جديدة، أم ديمقراطية تُجدّد شرعية القيادات القديمة؟

ولنختم بمقولة تُنسب إلى الرئيس الأمريكي الأسبق الراحل هاري ترومان:
"لا يمكن أن تصبح غنياً وأنت تعمل في السياسة إلا إذا كنت فاسداً".





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :