طفولة آمنة في ظلال منهج الإسلام
د. ضرار غالب العدوان
17-10-2026 07:46 PM
اولا وقبل كل شيء، لعلها قد تكون مفاجأة من العيار الثقيل لدى عامة الناس، إذا ما ذكرنا أن كل إنسان -كائن من كان - مالم يتجاوز عمره سن الثامنة عشر كاملة فإنه يعتبر في نظر القانون الأردني طفلاً، وذلك بحسب نصوص مواده التي شرعها مجلس الامة عام _ 2022 _ وأصبح ساريا وذلك بعد أن وشح بالإرادة الملكية السامية، والذي أبرز ما نص عليه هو أن الإنسان يبقى طفلا ما لم يبلغ سن الرشد، ويحتاج إلى عناية خاصة، وتقع مسؤولية الأهتمام به ورعايته وتربيته على الولي أو الوصي، حتى يبلغ سن الرشد، ومن المعلوم أن سن الرشد فهو ذلك السن الذي إذا ما بلغه الإنسان، فإنه يصبح مؤهلا ومسؤولا عن نفسه من تلقاء نفسه، وهنا تتاح اليه جميع الحقوق والمزايا التي يتمتع بها الشخص البالغ الراشد.
وفي هذا الشأن، ما يزال الحديث عن ماهية الأسباب الموجبة لتشريع قانون خاص بحماية حقوق الطفل، من أكثر الموضوعات المتداولة، واشدها غموضا والتباسا لدى السواد الأعظم من فئات المجتمع الأردني تقريبا، ونتيجة لذلك تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى لإجراء دراسة استقصائية شاملة، لتكوين رؤية واضحة ومتكاملة عن هذا الموضوع المتشعب والمترامي الأبعاد، بدلاً من النظرة المبعثرة المجزأة.
أما الحقيقة التي نسعى إلى تأكيدها منذ البداية، فهي تتمثل في مغالطة سوء ظن ما يذهب إليه البعض، بأن إقرار قانون خاص بحماية حقوق الطفل هو دخيل على ثقافتنا وعاداتنا وحضارتنا الإسلامية العريقة، وهذا بلا أدنى ريب زعم باطل، وليس له اساس من الصحة، ويفتقر إلى الموضوعية، وفيه تجني وافتئات على الشريعة الإسلامية، ويدلل-مما يدلل -على أن هناك فهم قاصر لمقاصدها واغراضها السمحة.
ونتوقف هنا ونتساءل، لو دققنا النظر بمواد مشروع القانون -نظرة متفحصة -ومن ثم معاينتها وتشخيصها بصورة دقيقة، فإذا ما تم ذلك، لرأينا أنها تلتقي وتتقاطع نصا وروحا مع كثير من القيم والمبادئ التي تنادي بها تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، فهي ليست غريبة عنا كعرب ومسلمين -بأي وجه كان -ولا تحتوي على وجود مخالفة لأصول الشرع -بأي صيغة من الصيغ -وإنما هي بنصها وروحها تحقق ما جاءت به الشريعة الإسلامية، والتي تستوعب النشاط الأنساني كله، وتنظم كل جزئية من جزئياته، فقد أقر الإسلام منظومة شاملة ومتكاملة من الحقوق المادية والمعنوية للطفل قبل ولادته وأثناءها وبعدها، والتي تسبق المواثيق الدولية بقرون عديدة.
كما أن الدارس للشريعة الإسلامية السمحة، يجد ان الكثير من القيم والمبادئ التي تنادي بها تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، تراعي حقوق الطفل وتكفلها، وتخص مرحلة الطفولة لدى الإنسان الوليد بأهتمام بالغ جدا، وذلك نظرا لما لهذه المرحلة من أهمية قصوى في نموه وبناء شخصيته ونضجه عقليا وبدنيا، الأمر الذي يسهم في بناء مجتمع سوي وفاضل، وعليه فقد شرع الإسلام للأطفال حقوقا لا تمارى.
لقد أولى الإسلام الطفل عناية فائقة، وأوجبت له الشريعة الإسلامية حقوقا منذ بدء تكوينه وهو جنين في رحم أمه، فحافظ عليه من الاعتداء، واحتفظ له بحقه في الحياة، فحرم إجهاضه بعد نفخ الروح فيه، وشرع له مجموعة من الحقوق التي يجب أن تؤدى إليه قبل ولادته، وذلك لكي يحيى الطفل ويعيش حياة كريمة، ويحظى برعاية متكاملة من مختلف الجوانب، وقد كان حق الجنين بالنسب الطيب أولى الحقوق التي اقرها الإسلام للطفل، ولذلك قد شرع مجموعة من الشروط عند اختيار الزوج أو الزوجة، أولهما أن يكون الرجل كسبه حلالا، وثانيهما ان تتحرى الزوجة الدين والخلق الحسن في زوجها لضمان تنشئة سليمة للطفل، وقد أوجب له حسن التسمية وحث على اختيار اسم جميل ومعنى طيب للمولود في الأيام الأولى من ولادته، وأن ينتسب إلى أبيه وأمه، لما يترتب على ذلك من جملة حقوق شرعية: كحق الرضاعة والحضانة والذي أوجب الرضاعة الطبيعية حقا طبيعيا للطفل تمتد حتى عامين كاملين، وجعل الام أحق بحضانة طفلها في سنين طفولته الأولى، واوجب على الاب نسب النفقة الكاملة على طفله من مأكل مشرب ومسكن حتى يصبح قادرا على الكسب أو البلوغ، بل وأكثر من ذلك فرض على الوالدين تعليمه أمور دينه ودنياه وتأديبه بالأخلاق الفاضلة الحميدة، ليس هذا فحسب فقد أوجب الإسلام للطفل حقوق مالية كحق النفقة والميراث والتنشئة الصالحة بحيث ينشأ على الفطرة السليمة السوية وإلى ما شاكل ذلك، وعلى سبيل المثال لا الحصر حق الطفل في حفظ النسب واوجب الزواج الشرعي، وحرم الزنا لحماية أنساب الأطفال وصون كرامتهم وانسانيتهم، واوجب نسب المولود إلى ابيه الشرعي وحرم التبني الذي يغير الحقائق والانسان.