facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




النموذج المالي الذي نريد لعمّان .. من إدارة المديونية إلى استرداد القيمة وكفاءة الإنفاق


م. عامر البشير
18-10-2026 07:59 PM

قد تمتلك المدينة أراضي ومرافق ذات قيمة كبيرة، ومع ذلك تعجز عن توفير السيولة. وقد تنفق الملايين على الطرق فترتفع قيمة الأراضي المجاورة، بينما لا يعود إلى خزينتها إلا القليل مما أسهمت في صنعه. وقد تقترض لتغطية نفقات كان بالإمكان تجنب بعضها لو أُحسنت إدارة الموارد والعقود والأصول.

ولذلك أرى أن إصلاح مالية أمانة عمّان يجب ألا يبدأ وينتهي عند تخفيض الفوائد أو إعادة جدولة القروض. فالاقتراض قد يكون ضرورة للتنمية، لكنه يصبح عبئًا حين يتحول إلى وسيلة متكررة لتأجيل مواجهة المشكلات. والسؤال الذي أطرحه هنا ليس «كيف نقترض بكلفة أقل؟» فحسب، بل «كيف نقلّل حاجتنا إلى الاقتراض؟».
المديونية… ماذا تقول الأرقام؟

أعلنت الأمانة في نيسان 2026 أن مديونيتها نحو مليار دينار. وبحسب البيانات الأولية لوزارة المالية، بلغت إيرادات 2025 ومنحها نحو 382.4 مليون دينار، مقابل نفقات بلغت 429 مليونًا (283.7 جارية و145.3 رأسمالية)، أي عجز قبل التمويل نحو 46.5 مليون دينار وفق الرقم المنشور. وشكّلت فوائد القروض ضمن النفقات الجارية نحو 88 مليونًا، أي نحو 23% من إجمالي الإيرادات والمنح، دون احتساب أقساط أصل الدين.

فالإيرادات تغطي النفقات الجارية، لكن الإنفاق الرأسمالي يدفع الإجمالي إلى العجز. والدين الذي يبني طريقًا يخدم المدينة سنوات ليس كالدين الذي يغطي نفقات تشغيلية متكررة. غير أن تصنيف النفقة «رأسمالية» لا يعني أنها استثمار منتج، وتغطية الجاري لا تعني كفاية السيولة لسداد الأقساط. فلا بد من التمييز بين حجم المديونية، والسيولة المتاحة، والقدرة على خدمة الدين.

تخفيض كلفة الدين… ولكن ماذا بعد؟
وافق مجلس الوزراء في 11 تشرين الأول 2026 على إصدار صكوك بصيغة الإجارة المنتهية بالتمليك بقيمة 400 مليون دينار بعائد 5.5% لخمس سنوات، ضمن خطة لإعادة هيكلة المديونية، وقدّرت الحكومة وفرًا بنحو 70 مليونًا خلال المدة. وهذا توجه إيجابي، لكن تقدير الوفر يستند إلى فرضيات تمويلية تستلزم إظهار تفاصيلها. فإذا كانت كلفة بعض القروض نحو 8.25% (وفق تصريحات صحفية)، فالفرق البالغ 2.75 نقطة مئوية على 400 مليون يعادل حسابيًا نحو 11 مليونًا سنويًا، بافتراض ثبات أصل التمويل والمعدلين ودون احتساب الرسوم أو اختلاف جداول السداد، في حين يعادل الوفر الحكومي المعلن متوسطًا قدره 14 مليونًا سنويًا.

وقد يفسّر اختلاف الآجال والتدفقات هذا الفرق، لكن المقارنة لا تكتمل إلا بنشر التدفقات السنوية للتمويلين، وبيان كيف ستوفي الأمانة التزاماتها عند انتهاء الصكوك. فالموافقة على الإصدار لا تعني تحقق الوفر، وتخفيض كلفة التمويل لا ينهي المشكلة. وإذا لم يرافقه إصلاح للإنفاق والتحصيل والأصول، فقد نجد أنفسنا بعد سنوات أمام المديونية ذاتها بشروط مختلفة.

من يستفيد من ارتفاع قيمة الأراضي؟
حين تنشئ الأمانة طريقًا أو تحسّن مرافق منطقة ما، ترتفع قيمة الأراضي المجاورة. والملكية الخاصة حق يحميه القانون، لكن جزءًا من الزيادة ينتج عن استثمار عام موّله المجتمع. ومن هنا ظهرت فكرة استرداد جزء من هذه القيمة لتمويل البنية التحتية.

ففي لندن، ساهمت إضافة على ضريبة الأعمال تُفرض على العقارات التجارية الكبرى، إلى جانب مساهمات المطورين، في تمويل مشروع كروسريل (خط إليزابيث اليوم)، وتقدّر هيئة لندن الكبرى مساهمتها الإجمالية فيه بنحو سبعة مليارات جنيه إسترليني. وفي بوغوتا، تُوزَّع كلفة أشغال محددة على المالكين المستفيدين منها عبر ما يُعرف بمساهمة التثمين (valorización). وهذه أدوات متباينة، لكن يجمعها ربط التمويل بمن يستفيد من المشروع.

ولتقريب الفكرة، لو رفع مشروع قيمة مليون متر مربع بمقدار 50 دينارًا للمتر، لبلغت القيمة المضافة 50 مليونًا، ولأمكن نظريًا استرداد عشرة ملايين إن أجاز القانون استرداد 20%. وهذا مثال افتراضي لا يمثل إيرادًا متوقعًا، ويستلزم عزل أثر الاستثمار العام عن سائر أسباب ارتفاع الأسعار.

لكن الحاجة إلى المال لا تمنح الإدارة حق تجاوز القانون. فعوائد التنظيم الخاصة تحكمها المادة 52 من قانون تنظيم المدن والقرى والأبنية المؤقت رقم 79 لسنة 1966، وقد استقر اجتهاد محكمة التمييز على أن حالات فرضها حصرية، فلا يُتوسع فيها ولا يُقاس عليها، وأن تغيير صفة استعمال الأرض بحد ذاته لا يجيز فرضها. لذلك لا يجوز تطبيق آلية جديدة لاسترداد القيمة دون سند تشريعي صريح؛ ويلزم أولًا مراجعة قانونية تحدد ما تسمح به التشريعات وما يتطلب تعديلًا، مع حماية المالكين وتجنب الازدواج في الأعباء، ثم تطبيق تجريبي محدود لقياس الأثر.

عقود النظافة… أين تقف الكفاءة؟
القطاع الخاص ليس أكثر كفاءة لمجرد أنه خاص، والتشغيل المباشر ليس بالضرورة أقل كلفة. والمعيار هو الكلفة الكلية وجودة الخدمة. وقد أعلنت الأمانة عن وفر متوقع يقارب 130 مليون دينار خلال عشر سنوات، بينما تباينت الأرقام المتداولة بشأن قيمة العقود وحجم الوفر. وهذه تقديرات لا تثبت وحدها تحقق التوفير، وتحتاج إلى نشر دراسة المقارنة وافتراضاتها، وبيان كلفة مساندة الأمانة للشركات بآلياتها وكوادرها ومن يتحملها.

فالمدينة لا تصبح أكثر كفاءة لمجرد أنها تنفق أقل، بل عندما تقدم خدمة أفضل بكلفة أقل. والمطلوب تقييم مستقل ينشر كلفة جمع ونقل الطن، ومستوى نظافة الأحياء، وانتظام الخدمة، وسرعة معالجة الشكاوى. فتخفيض النفقات على حساب نظافة المدينة ليس توفيرًا، بل نقل للكلفة من الموازنة إلى صحة الناس.

وللنفايات وجه آخر، فقد أعلنت الأمانة في تموز 2026 البدء بتركيب محرك رابع في مشروع غاز مكب الغباوي يرفع القدرة إلى 6.28 ميغاواط، ويُتوقع أن يغطي نحو 55% من فواتير كهربائها. وهذه أهداف معلنة لا وفورات محققة، وكذلك أي مشروع فرز وتدوير يجب أن تفوق قيمته كلفته.
الإيرادات غير المحصلة
قبل البحث عن رسوم جديدة، يجب أن نسأل: كم للأمانة من أموال مستحقة لم تدخل خزينتها؟ فالإيراد الذي يظهر في السجلات ولا يصل إلى الخزينة لا يموّل طريقًا ولا يسدد قرضًا. والمطلوب حصر الذمم وأعمارها والقابل للتحصيل منها، وتطوير التحصيل الإلكتروني، مع التمييز بين المتهرب القادر ومن تعسّرت ظروفه. فالعدالة لا تتحقق بزيادة الأعباء على الملتزمين تعويضًا عن ضعف التحصيل من غيرهم.

نحو نموذج مالي يرى المدينة كاملة
القرارات المالية والعمرانية والتشغيلية تُدرس أحيانًا منفصلة: الطريق يرفع قيمة الأراضي ويحتاج صيانة، وتعديل التنظيم يجلب الاستثمار ويرفع الطلب على الخدمات، وعقد النظافة والقرض يقيّدان موازنات قادمة. ولذلك أقترح البدء بـتقرير مالي شامل يخضع لمراجعة مستقلة، تُنشر نتائجه الأولية خلال ستة أشهر، يوضح الديون والمتأخرات ومواعيد السداد، والسيولة، والذمم، والالتزامات التعاقدية طويلة الأجل، والكفالات، والمطالبات القضائية، ومخاطر الشراكات مع القطاع الخاص.

ثم يرتكز الإصلاح على ثلاثة محاور:

1.إدارة الأصول: سجل شامل لأراضي الأمانة ومبانيها ومرافقها، بقيمتها وحالتها وكلفة صيانتها وعوائدها. فمن دونه يصعب الإجابة عن أسئلة بسيطة: كم أرضًا تملكها الأمانة دون استثمار؟ وكم مبنى تستأجره بينما يوجد مبنى مملوك قادر على استيعاب الحاجة؟ ثم تُصنَّف الأصول إلى ثلاث فئات: أصول اجتماعية واستراتيجية تُحفظ، وأصول مدرّة للدخل يُحسَّن عائدها، وأصول فائضة تُدرس بدائل استثمارها. فالحديقة قد لا تدر دخلًا، لكن قيمتها الاجتماعية والبيئية تفوق ثمن أرضها.

2.العقود والإنفاق والتحصيل: تدقيق مستقل للعقود الكبرى، ومقارنتها بالبدائل، ومعالجة الذمم، دون المساس بجودة الخدمة.

3.ضوابط الاقتراض: ربط كل قرض بمشروع محدد ومصدر سداد معروف، واعتماد مؤشرات معلنة لخدمة الدين، ودراسات جدوى وكلفة ومنفعة للمشروعات الكبرى.

وعلى أساس التقرير تُعتمد خطة لخمس سنوات بأهداف سنوية ومسؤوليات واضحة، تُقاس مساءلة القيادة الإدارية بتنفيذها ونتائجها، مع إصدار تقارير دورية تبيّن ما تحقق وما تعثر، ولوحة مؤشرات علنية للمديونية والتحصيل وكلفة الخدمات ورضا المواطنين. فما لا يُقاس يصعب تحسينه، وما لا يُعلن يصعب إخضاعه للمساءلة.

ولا يجوز جمع الوفورات المتوقعة من الصكوك والنظافة واسترداد القيمة كأنها أموال متاحة، فبعضها تقديرات وبعضها يحتاج تشريعات وبعضها سنوات. والحساب الصحيح هو ما يبقى للمدينة بعد خصم جميع التكاليف.


حين تصبح الكفاءة شكلًا من أشكال العدالة

المدينة ليست شركة تبحث عن الربح. فهناك حديقة يحتاجها حي محدود الدخل، وخط نقل عام قد لا يربح لكنه ضروري لسكانه. وكل دينار نوفره دون الإضرار بالخدمة، وكل أصل نحسن استثماره، يمنح المدينة قدرة أكبر على خدمة الأحياء الأكثر حاجة. فكفاءة الإنفاق مسألة عدالة اجتماعية أيضًا، لأن الأحياء الأقل قدرة على تعويض ضعف الخدمات هي الأكثر تأثرًا بتراجعها.

وعمّان لا تحتاج إلى موازنة أكبر فحسب، بل إلى إدارة مالية تعرف قيمة أصولها قبل التفكير في بيعها، وتحصّل مستحقاتها قبل البحث عن أعباء جديدة، وتراجع كلفة خدماتها قبل التعاقد عليها، وتفرق بين الدين الذي يبني المستقبل والدين الذي يؤجل أعباء الحاضر. والخطوة الأولى قرار واضح بإعداد التقرير الشامل وتحديد موعد نشره.

فليس النجاح أن نورّث أبناءنا مدينة مثقلة بالديون، ولو كانت بفوائد منخفضة، بل أن نورّثهم مدينة تملك من الموارد وحسن الإدارة ما يمكّنها من تمويل مستقبلها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :