facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




تحديث الإدارة العامة .. حين تصبح بوابات التوظيف مدخلاً للإصلاح الحقيقي


د.عبدالله القضاة
17-10-2026 08:46 PM

في المشهد الوطني الراهن، وبينما تتجه الأنظار نحو مسارات التحديث الإداري وتطوير القطاع العام، تنشغل أروقة المؤسسات الحكومية في الأردن بإعادة رسم الهياكل، وتعديل التشريعات، وأتمتة الخدمات. وعلى الرغم من محورية هذه الخطوات وتطورها، إلا أن التجربة الميدانية أثبتت مراراً أن أعظم الخطط الاستراتيجية تظل مجرد حبر على ورق ما لم تقترن بالانعطافة الأهم: من هم الأشخاص الذين سيجلسون خلف المكاتب، ويصنعون القرار، ويقودون موقع الخدمة العامة أمام المواطن؟

من هنا تبدو الإشكالية الحقيقية؛ فالتوظيف في الإدارة العامة ليس مجرد إجراء تنفيذي روتيني ينتهي بصدور قرار التعيين أو نشر اسم المرشح في الجريدة اليومية، بل هو قرار استثماري سيادي يحدد جودة الدولة، وكفاءة أداء مؤسساتها، ومستوى ثقة الشارع الأردني بها.

إن كل اختيار موفق يرفد شريان الجهاز الحكومي بطاقة نوعية وقدرة على الابتكار، في حين أن الاختيار القائم على انطباعات متسرعة يحوّل موقع الوظيفة إلى عبء هيكلي ومالي يُكلف الدولة سنوات من محاولات المعالجة والتدريب.

وفي صورة الممارسة اليومية التي تختبرها لجان المقابلات، ما زالت العديد من المؤسسات والشركات الحكومية وشبه الحكومية؛ تدور في فخ "الانطباع الأول". تُطرح أسئلة عمومية، وتُسترجع إجابات منمقة محفوظة، ليتشكل القرار النهائي في دقائق معدودة بناءً على ارتياح ذاتي أو انطباع شكلي. غير أن الممارسة الإدارية الرشيدة تؤكد أن اللباقة السطحية ليست دليلاً على الكفاءة القيادية، وأن الثقة بالنفس لا تعني بالضرورة القدرة على الإنجاز، وسرعة البديهة في الحديث لا تعكس عمق الحكم المهني. وحين يتحول الارتياح الشخصي لعضو اللجنة إلى معيار غير معلن، نكون قد استبدلنا الجدارة الفنية والقدرة العملية بطلاقة لسان مجردة من المضمون.

إن الانتقال بالقطاع العام الأردني نحو التحديث الشامل يتطلب شجاعة إدارية تبدأ من إعادة هندسة بوابات الدخول للوظيفة العامة. ينبغي الاعتماد المباشر على التقييم المبني على الكفايات السلوكية والفنية المحددة بدقة في الوصف الوظيفي؛ بحيث تُطرح أسئلة موحدة تبحث في سلوك المرشح وتجاربه الواقعية وكيفية تعامله مع الأزمات والمواقف المعقدة وفق شواهد وأدلة مثبتة، بدلاً من اكتفاء اللجان بالحديث النظري والشعارات الفضفاضة.

ولأن المقابلة الشخصية مهما أديرت بحرفية لا تعكس وحدها الصورة الكاملة، فإن إدخال أدوات المحاكاة والتقييم العملي يتصدر متطلبات المهننة الإدارية. فالمرشح لرئاسة قسم أو موقع قيادي يوضع أمام سيناريو محاكاة واقعي يمثل تراكم معاملات أو أزمة أداء داخل فريق، والأخصائي المالي يخضع لاختبار تحليل بيانات واستخراج اختلالات، والقانوني يُطلب منه تقديم رأي مهني في قضية معقدة وضمن إطار زمني محدد. إن هذه الأدوات تنقل عملية التقييم برمتها من مساحة "الحديث عن المهارة" إلى مساحة "إثبات القدرة".

ولكي تكتمل أركان الحوكمة، يحتاج أعضاء لجان التقييم إلى تأهيل احترافي يضمن تحييد التحيزات الذاتية، مع إلزام كل عضو بتسجيل تقييمه ومستنداته بشكل منفصل وقبل خوض النقاشات الجماعية، وتوثيق أسباب التباين في العلامات. وفي الوقت الذي يوفر فيه الذكاء الاصطناعي حلولاً مساندة في تحليل الأوصاف الوظيفية وبناء بنوك الأسئلة ورصد الانحرافات التقييمية، فإن القرار النهائي يجب أن يظل قراراً بشرياً مسبباً ومسؤولاً، إذ لا يمكن تفويض المساءلة الإدارية والأخلاقية للخوارزميات.

كما أن نجاح التوظيف لا يقاس عند لحظة إعلان النتائج، بل يمتد عبر حلقة تعلم مؤسسي مستمرة؛ من خلال متابعة أداء الموظفين الجدد خلال فترة التجربة والسنوات الأولى لمقارنة أدائهم الفعلي بما قيس في مراحل الاختيار، وتعديل الأدوات والأسئلة بناءً على تلك النتائج.

إن السؤال الإصلاحي الأهم الذي يجب أن يتردد في جنبات مؤسساتنا ليس: "من ترك الانطباع الأفضل لدى اللجنة؟"، بل: "من أثبت بالأدلة والشواهد امتلاكه الكفايات والقدرة على تحقيق أهداف الوظيفة؟". وحين تصبح الإجابة عن هذا السؤال موثقة وعادلة، نحمي المؤسسة الوطنية من القرار المكلف، ونضمن للمواطن الأردني الخدمة الكفؤة التي يستحقها.

* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :