facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ذكاء الشارع ..


د. صالح سليم الحموري
20-10-2026 08:45 AM

ليس كل ذكي يحمل شهادة جامعية، وليس كل من يحمل شهادة يمتلك بالضرورة ذكاء التعامل مع الحياة. فهناك ذكاء لا تمنحه الجامعات، ولا تقيسه الاختبارات، بل تصقله التجارب، وتصنعه المواقف، وينضج بالاحتكاك بالناس. إنه "ذكاء الشارع"(Street Smart)
ذكاء الشارع ليس مكراً أو تحايلاً، بل قدرة على قراءة الواقع، وفهم البشر، والتصرف بحكمة عندما تغيب الإجابات الجاهزة. إنه الذكاء الذي يساعدنا على اتخاذ القرار المناسب، حتى عندما تكون المعلومات ناقصة والظروف معقدة.

قد تجد صاحب مؤهلات علمية رفيعة يعجز عن إدارة موقف بسيط، بينما يستطيع شخص لم يكمل تعليمه حل أزمة معقدة بفطنته وخبرته. فالفرق ليس في مقدار المعرفة، بل في القدرة على تحويل التجربة إلى حكمة، والملاحظة إلى بصيرة، والبصيرة إلى قرار.

ذكاء الكتب يخبرنا بما ينبغي أن يحدث، أما ذكاء الشارع فيكشف لنا ما يحدث فعلاً.

وفي "عالم القيادة"، تتضاعف أهمية هذا الذكاء. فالقائد لا يعمل دائماً وسط ظروف مثالية، ولا يجد أمامه بيانات مكتملة أو حلولاً جاهزة. كثير من القرارات المصيرية تُتخذ وسط الغموض والضغوط وتضارب المصالح. وهنا يظهر القائد الذي يقرأ ما بين السطور، ويفهم ما لا تقوله التقارير.

ولعل من أخطاء بعض المؤسسات المبالغة في تقدير الشهادات، مقابل التقليل من قيمة "الفطنة العملية". فقد يتفوق موظف في الاختبارات، لكنه يتعثر أمام متعامل غاضب، بينما يستطيع زميله بخبرته وذكائه الاجتماعي تحويل الموقف إلى فرصة لبناء الثقة.

والأمر ذاته ينطبق على الحكومات. فالحكومة الذكية ليست التي تمتلك أحدث التقنيات فحسب، بل التي "تفهم حياة الناس" كما يعيشونها، لا كما تصفها التقارير. فساعة يقضيها مسؤول في الميدان، يستمع ويراقب ويسأل، قد تكشف له ما لم تكشفه اجتماعات طويلة.

وهنا تبرز "تجربة دبي" في ربط الرؤية الاستراتيجية بالواقع العملي؛ فنجاح المبادرات الحكومية لا يُقاس بجمال العروض التقديمية، بل بقدرتها على تبسيط حياة الناس وتحسين تجاربهم. وهذا يتطلب الجمع بين "ذكاء التخطيط" و"ذكاء الميدان".

ومع صعود الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال جوهري: هل تستطيع الآلة امتلاك ذكاء الشارع؟

قد تحلل الخوارزميات ملايين البيانات، وتتنبأ بالسلوكيات، وتقترح الحلول بسرعة مذهلة، لكنها لا تعيش "التجربة الإنسانية" كما نعيشها. فقراءة حساسية المواقف، وفهم المشاعر، وبناء الثقة، وتحمل المسؤولية الأخلاقية، تتطلب "حكمة إنسانية" لا تختزلها المعادلات.

لكن ذكاء الشارع وحده لا يكفي؛ فالخبرة دون معرفة قد تصبح أحكاماً متسرعة، والفطنة دون أخلاق قد تتحول إلى تلاعب. و"القيادة الحقيقية" تجمع المعرفة العلمية، والخبرة الميدانية، والذكاء العاطفي، والحكمة الأخلاقية.

لذلك، علينا إعادة التفكير في إعداد "قيادات المستقبل"؛ فلا تكفي المحاضرات والنظريات، بل يجب أن نمنح القادة فرص النزول للميدان، ومواجهة التحديات، والتعلم من الناس، والتصرف وسط الغموض.

فالجامعة تمنحك شهادة تثبت ما تعلمته، لكن الحياة تضعك أمام مواقف تكشف كيف تستخدمه. وهنا نستحضر فلسفة دبي التي جعلت من الأفعال لغةً للإنجاز، ومن الميدان اختباراً للأفكار، ومن النتائج معياراً حقيقياً للنجاح. ففي دبي، لا تكفي الأفكار الجميلة ما لم تتحول إلى واقع، ولا تكتمل قيمة المعرفة ما لم تصنع أثراً في حياة الناس.

وفي زمن أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر، لن يكون التميز لمن يعرف أكثر، بل لمن يفهم الواقع أعمق، ويتصرف بحكمة أكبر، ويحوّل ما يعرفه إلى إنجاز ملموس.

فالمستقبل لا تصنعه العقول التي تحفظ الإجابات، بل العقول التي تمتلك شجاعة التصرف حين تغيب الإجابات الجاهزة. وتلك هي روح دبي... مدينة لا تكتفي بمعرفة ما يمكن فعله، بل تبادر إلى فعله.

* كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :