سياحة المغامرة أم المسير والترحال؟ نحو تسمية أكثر دقة وأمانًا
عبدالرحيم العرجان
20-10-2026 09:19 AM
تتطور السياحة وتتعدد أنماطها، ما يستدعي مراجعة المصطلحات المستخدمة لوصف أنشطتها ومدى دقتها في التعبير عن طبيعتها ومتطلباتها. ومن بين هذه المصطلحات «سياحة المغامرة»، الذي يطرح تساؤلًا حول مدى ملاءمته لوصف مختلف الأنشطة، من المشي في المسارات المعروفة إلى تسلق القمم واجتياز التضاريس الوعرة.
فهل يمكن أن تكون تسمية «سياحة المسير والترحال» أكثر وضوحًا عند الحديث عن الرحلات القائمة على المشي في الطبيعة؟
المغامرة.. مفهوم أوسع من المشي
ترتبط المغامرة بالاستكشاف والتحدي، وقد تنطوي على ظروف غير مألوفة أو قدر من عدم اليقين والمجازفة. وتختلف مستويات مخاطرها بحسب طبيعة النشاط والبيئة والمهارات والتجهيزات المطلوبة.
لكن استخدام المصطلح عنوانًا عامًا لأنشطة متباينة قد لا يعكس الفروق بينها؛ فالمسير على درب محدد ومدروس يختلف في متطلباته عن التسلق الفني أو الإنزال الجبلي في المناطق شديدة الوعورة، التي تحتاج إلى مهارات وتدريب وتجهيزات متخصصة.
كما أن كثيرًا من الرحلات المنظمة تكون على دروب معلومة، وبرامج محددة، وتقييم مسبق للصعوبة، ومرشدين يمتلكون معرفة ميدانية بالمسارات.
ومع أخذ ذلك بعين الاعتبار، فإن كل دولة تعتمد مسارًا ضمن خريطتها السياحية يُفترض أن تراعي فيه معايير الأمان ومتطلبات السلامة على شاكلة ISO 3021:2023 المخصص للمشي الجبلي والرحلات الطويلة، بما يشمل الإشارات التوجيهية والإرشادية، وتحديد نقاط الإخلاء والمناطق التي تنعدم فيها شبكات الاتصال، ورسم المسار إلكترونيًا، مع تحديد المسافات بين النقاط بدقة. ومن الأمثلة على ذلك درب سانتياغو، الذي تتفرع مساراته عبر إسبانيا وفرنسا والبرتغال، ومخيم قاعدة جبل ايفيرست في نيبال؛ فلا دولة تجازف بسمعتها السياحية.
من الاستكشاف إلى المسارات المعروفة
تاريخيًا، أسهمت جمعيات تسلق الجبال واستكشاف الطبيعة في تنظيم الأنشطة الجبلية وتوثيق الطرق. ومن الأمثلة نادي الألب البريطاني، الذي تأسس عام 1857، ونادي جبال الأبلاش الأمريكي، الذي تأسس عام 1876.
وفي مراحل الاستكشاف الأولى، كان الوصول إلى مواقع عديدة يتطلب معرفة ميدانية بالتضاريس والظروف الجوية وتحديد الطرق. ومع تطور القطاع، ظهرت مؤسسات مهنية متخصصة، منها جمعية تجارة سياحة المغامرة (ATTA)، التي تأسست عام 1990، وأسهمت في تعزيز التواصل الدولي وتطوير القطاع.
ومع اتساع المعرفة، أصبح من الممكن التخطيط لكثير من الرحلات وتقدير صعوبتها ومتطلباتها مسبقًا، دون أن يعني ذلك انتهاء المخاطر.
سياحة المسير والترحال.. وصف أكثر تحديدًا
يمكن تعريفها عمليًا بأنها أنشطة تعتمد على الانتقال سيرًا على الأقدام عبر مسارات معروفة أو محددة ميدانيًا، وفق برامج تراعي طبيعة الطريق وصعوبته والقدرات البدنية للمشاركين، مع اتخاذ التدابير اللازمة لتقييم المخاطر وإدارتها والاستعداد للطوارئ.
ولا يعني ذلك بالضرورة إخراج هذه الأنشطة من التصنيف الأوسع للمغامرة، بل يستدعي دراسة إمكانية اعتماد تسمية أكثر تحديدًا، مع تمييزها عن الأنشطة التي تتطلب مهارات تقنية متقدمة.
الأمان لا يعني غياب المخاطر
إن معرفة المسار وتوثيقه يساعدان على تقييم التضاريس، مع مراعاة حالة الطقس والإجهاد البدني ومتطلبات اللياقة والتجهيزات، إلى جانب وضع خطط للطوارئ والإخلاء. ومع ذلك، لا يضمن المسار المعروف خلو الرحلة من المخاطر، خصوصًا في الجبال والأودية والمناطق النائية التي تتأثر بعوامل الطبيعة.
وهنا من الضروري التمييز بين صعوبة المسار ومستوى المخاطر المرتبطة به؛ فقد يكون الطريق شاقًا بدنيًا، لكنه مدروس، بينما ينطوي طريق أقصر على مخاطر جمّة بسبب طبيعة الأرض أو الظروف الجوية أو بُعد مواقع الإنقاذ.
أما التسلق الفني والإنزال الجبلي والرياضات الجوية، فينبغي أن تخضع لمتطلبات تدريب وتجهيز وإشراف تتناسب مع مستوى المخاطر، بصرف النظر عن المسمى السياحي المستخدم.
نحو تصنيف سياحي أكثر وضوحًا
إن الهدف من هذا الطرح ليس التقليل من قيمة سياحة المغامرة، بل مراجعة المصطلحات بما يعكس طبيعة الأنشطة ومتطلباتها بصورة أدق.
ومن هنا، تبرز أهمية دراسة اعتماد «المسير والترحال» بوصفها تسمية محددة للأنشطة القائمة على المشي، ووضع تعريف مهني يوضح نطاقها وعلاقتها بالتصنيفات السياحية الأخرى.
فالتسمية الدقيقة تساعد الزائر على فهم طبيعة الرحلة، لكنها لا تصنع السلامة؛ إذ تبدأ المسؤولية بالتخطيط الجيد، والتأهيل المناسب، وإدارة المخاطر، واحترام الطبيعة، وتوفير المعلومات اللازمة لاتخاذ قرار واعٍ.
* رحّال وباحث في سياحة المغامرة