حين يتحرر العقل من جموده تبدأ صناعة الإبداع
أ.د. أمجد الفاهوم
19-10-2026 10:04 AM
«لا يقف عائقًا أمام الإبداع سوى جمود العقل، وليس قلة الإمكانات».
ليست هذه المقولة إنكارًا لأهمية الموارد أو أثر الظروف في تحقيق النجاح، بل دعوة لإعادة النظر في الطريقة التي نفكر بها أمام التحديات. فكثيرًا ما نعزو تعثرنا إلى نقص المال أو الأدوات أو الدعم، دون أن نسأل أنفسنا: هل استنفدنا فعلًا قدرتنا على التفكير وإيجاد البدائل، أم أننا اعتدنا النظر إلى الإمكانات المحدودة بوصفها حدودًا نهائية لطموحاتنا؟
إن أخطر أشكال العجز هو ذلك الذي يستقر في العقل قبل أن تفرضه الظروف. فعندما يعتاد الإنسان التفكير ضمن قوالب ثابتة، تصبح الصعوبات مبررًا للتوقف، ويتحول المألوف إلى معيار وحيد للصواب. أما العقل المتجدد، فيرى في التحديات أسئلة تستحق البحث، وفي الموارد المتاحة فرصًا لإنتاج قيمة جديدة.
لقد أثبت التاريخ أن كثيرًا من الإنجازات الكبرى بدأت بإمكانات متواضعة وأفكار جريئة. فعندما نجح الأخوان رايت في تحقيق أول طيران متحكم به لطائرة تعمل بمحرك عام 1903، لم يمتلكا موارد تضاهي ما توافر لمشروعات أخرى، لكنهما امتلكا المعرفة والتجربة والإصرار على معالجة الإخفاقات. لقد أدركا أن التقدم يبدأ بتغيير طريقة التفكير، ثم اختبار الأفكار بالعلم والعمل.
غير أن جمود العقل لا يظهر دائمًا في صورة رفض مباشر للتغيير، فقد يتخفى وراء الخبرة الطويلة، أو التمسك بالإجراءات المعتادة، أو الخوف من الخطأ، أو انتظار الظروف المثالية. وقد يمتلك الإنسان معرفة واسعة، لكنه يفقد قدرته على الإبداع حين يعتقد أن خبرته السابقة تكفي للإجابة عن جميع أسئلة المستقبل. فالمعرفة التي لا تتجدد قد تتحول إلى قيد، والخبرة التي لا تقبل المراجعة قد تصبح عائقًا أمام التطور.
وهنا يظهر الفرق بين عقل يبحث عن مبررات الاستحالة، وآخر يبحث عن شروط الإمكان. الأول يسأل: لماذا لا نستطيع؟ والثاني يسأل: كيف نستطيع؟ وما الذي ينبغي تغييره؟ وبين السؤالين تتحدد مسافة الإنجاز.
وفي المؤسسات، قد تتوافر الميزانيات والتجهيزات والكفاءات، ومع ذلك يتراجع الأداء حين تسود ثقافة ترفض المبادرة وتعاقب التجربة. وفي المقابل، قد تحقق مؤسسة محدودة الموارد نتائج متميزة عندما تمنح العاملين حرية التفكير، وتستمع إلى مقترحاتهم، وتعيد توظيف إمكاناتها بكفاءة.
ولنتأمل مصنعًا يعاني ارتفاع تكاليف الإنتاج؛ فقد يكون الحل التقليدي شراء معدات جديدة، بينما يكشف التحليل المبتكر عن هدر في الوقت والمواد أو خلل في تنظيم العمليات. عندها يصبح تحسين الأداء ممكنًا قبل ضخ استثمارات إضافية. فالإبداع هنا لم يُلغِ الحاجة إلى الموارد، وإنما رفع قيمة ما هو متاح منها.
ومع ذلك، لا يجوز أن تتحول الدعوة إلى الإبداع إلى مبرر لغياب الدعم أو تجاهل الاحتياجات الفعلية. فالبحث العلمي والصناعة والتطوير تحتاج إلى تمويل وبنية تحتية وبيئة مؤسسية محفزة. لكن نقص الإمكانات ينبغي أن يدفعنا إلى ترتيب الأولويات واكتشاف البدائل، بدلًا من إصدار حكم مسبق باستحالة الإنجاز.
إن بناء عقلية إبداعية يتطلب التحرر من الخوف من الفشل، ومراجعة المسلمات، واحترام الاختلاف، وتقبّل التجربة بوصفها طريقًا للتعلم. كما يتطلب شجاعة طرح الأسئلة التي نتجنبها أحيانًا: لماذا نعمل بهذه الطريقة؟ وهل توجد طريقة أفضل؟ وما الذي يمنعنا من تجربتها؟
إن المجتمعات لا تتقدم بكثرة ما تمتلكه وحدها، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى عمل، والأفكار إلى حلول، والموارد إلى نتائج ملموسة. فالمال قد يوفر الأدوات، لكنه لا يضمن حسن استخدامها، والخطط قد تحدد الاتجاه، لكنها لا تصنع الإنجاز دون عقول مرنة وإرادة واعية.
ولهذا، علينا ألا ننتظر اكتمال الظروف لنبدأ، وألا نستخدم نقص الإمكانات ذريعة لتعطيل ما نستطيع إنجازه اليوم. فالإبداع يبدأ حين نمتلك شجاعة مراجعة أفكارنا، ومرونة تغيير أساليبنا، والانضباط اللازم لتحويل تصوراتنا إلى واقع.
إن قلة الإمكانات قد تؤخر إنجازًا، لكن جمود العقل قد يمنع حتى التفكير فيه. وأخطر ما يصيب الإنسان أن يمتلك القدرة على التغيير، لكنه يفقد القدرة على تخيّله.