الأمن الإقليمي واستقرار الدول في ظل التحولات الاستراتيجية بالشرق الأوسط
جمعة الشوابكة
19-10-2026 10:42 AM
تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات سياسية وأمنية متسارعة، تترافق مع بروز توجهات تعيد النظر في مفاهيم الأمن والاستقرار والعلاقات بين الدول، في ظل استمرار الصراعات الإقليمية وتصاعد الاعتماد على القوة العسكرية وفرض الوقائع الميدانية.
وتثير هذه التحولات تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام الإقليمي، ومدى قدرة المقاربات الأمنية القائمة على تحقيق استقرار مستدام، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى معالجة جذور النزاعات، واحترام سيادة الدول، وإيجاد توازن بين متطلبات الأمن الوطني ومبادئ القانون الدولي.
أولًا: استقرار الدول ركيزة أساسية للأمن الإقليمي
يمثل استقرار الدول العربية والحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها وتماسك مؤسساتها مصلحة استراتيجية مشتركة، إذ إن إضعاف الدول أو تشجيع تفككها يخلق فراغات أمنية تتيح انتشار التنظيمات المتطرفة، وتفاقم الصراعات الداخلية، وامتداد التهديدات عبر الحدود.
ومن ثم، فإن بناء منظومة أمن إقليمي مستدامة يتطلب تعزيز التعاون بين الدول واحترام استقلالها، بدلًا من توظيف حالات الضعف وعدم الاستقرار لتحقيق مكاسب سياسية أو أمنية على حساب دول الجوار.
ثانيًا: القضية الفلسطينية أساس الاستقرار الإقليمي
تظل القضية الفلسطينية في صلب معادلة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، ولا يمكن تجاوزها من خلال ترتيبات أمنية أو اقتصادية تتجاهل الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
ويشكل إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفقًا لقرارات الشرعية الدولية، أساسًا لأي تسوية عادلة ومستدامة.
وفي المقابل، فإن استمرار التوسع الاستيطاني وفرض الوقائع الأحادية وتقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية من شأنه تعميق الصراع وإضعاف فرص التسوية السياسية.
ويؤكد الأردن رفضه المطلق لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين أو تصفية قضيتهم على حساب المملكة أو أي دولة أخرى، باعتبار أن حماية الحقوق الوطنية الفلسطينية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي الأردني.
ثالثًا: السلام خيار استراتيجي وليس ترتيبًا مؤقتًا
لا يمكن اختزال السلام في ترتيبات أمنية مؤقتة تفرضها موازين القوى أو تحكمها اعتبارات سياسية مرحلية؛ فالسلام المستدام يقوم على الالتزام المتبادل بالاتفاقيات الدولية، وتسويات سياسية تعالج أسباب النزاع، وعلاقات تحترم السيادة الوطنية والمصالح المشروعة لجميع الأطراف.
وإن التعامل مع الاتفاقيات والتفاهمات باعتبارها أدوات قابلة للتجاوز وفقًا للمتغيرات الميدانية يضعف الثقة بين الدول، ويجعل العلاقات الإقليمية عرضة لدورات متكررة من التوتر وعدم اليقين.
وتكمن القيمة الاستراتيجية للسلام في قدرته على توفير بيئة مستقرة للتعاون والتنمية، لا في كونه مجرد وسيلة لإدارة الصراع.
رابعًا: حدود القوة العسكرية ومخاطر الحروب المستمرة
تؤدي القوة العسكرية دورًا مشروعًا في حماية الدول والدفاع عن سيادتها، إلا أن تحويل الحرب من إجراء استثنائي إلى نهج دائم لإدارة العلاقات الإقليمية يحمل تداعيات بعيدة المدى على أمن الشعوب واقتصادات الدول ومستقبل التنمية.
فالتفوق العسكري قد يحقق مكاسب ميدانية مؤقتة، لكنه لا يضمن معالجة الأسباب السياسية والاجتماعية للصراعات، وقد يؤدي استمرار الاعتماد على القوة إلى استنزاف الموارد وتعميق الخصومات وظهور تهديدات أمنية جديدة.
ومن هنا، تبرز أهمية التمييز بين امتلاك القدرة على الردع والدفاع، وبين تبني سياسات تقوم على إدامة الصراع، مع إعطاء الأولوية للدبلوماسية والحلول السياسية في معالجة النزاعات.
خامسًا: السيادة الوطنية والأمن الجغرافي والمائي
يشكل احترام الحدود المعترف بها دوليًا وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة ركيزتين أساسيتين لاستقرار العلاقات الإقليمية. ولا يمكن اعتبار التوسع الجغرافي أو إقامة مناطق أمنية داخل أراضي الدول الأخرى بصورة أحادية ضمانة مشروعة للأمن، لما تنطوي عليه هذه الإجراءات من مساس بالسيادة الوطنية ومخاطر إدامة النزاعات.
ويؤكد الأردن أهمية الحفاظ على وحدة أراضي الدول المجاورة، ورفض الإجراءات الأحادية التي تؤدي إلى تغيير الواقع الجغرافي أو الديموغرافي أو تهديد أمن الحدود واستقرار المنطقة.
ولا تقتصر تداعيات هذه التحولات على الأراضي والحدود، بل قد تمتد إلى الموارد الطبيعية المشتركة، وفي مقدمتها المياه، التي تمثل عنصرًا حيويًا في الأمن القومي الأردني، في ظل محدودية الموارد المائية وارتفاع الاحتياجات الوطنية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب حماية الحقوق المائية الأردنية وضمان استدامة مصادر المياه ومنع الإجراءات الأحادية التي تمس مصالح المملكة في الموارد المشتركة أهمية استراتيجية، بما يستدعي الالتزام بالقانون الدولي والاتفاقيات ذات الصلة وتعزيز التعاون في إدارة المياه العابرة للحدود.
سادسًا: القدس والوصاية الهاشمية
تحتل القدس مكانة محورية في السياسة الأردنية، بالنظر إلى أبعادها الدينية والتاريخية والسياسية، وما يرتبط بها من مسؤوليات في إطار الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية.
ويشكل الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات، وحماية هويتها العربية والإسلامية والمسيحية، ورفض الإجراءات الأحادية التي تستهدف تغيير واقعها، أولوية وطنية ثابتة ترتبط بالمسؤولية الأردنية تجاه القدس وبمكانتها في أي تسوية سياسية مستقبلية.
سابعًا: متطلبات الأمن القومي الأردني في ظل التحولات الإقليمية
يستند الأمن القومي الأردني إلى منظومة متكاملة تجمع بين قوة المؤسسات الوطنية، والقدرات الدفاعية والأمنية، والاستقرار الداخلي، والدبلوماسية الفاعلة، والشراكات الإقليمية والدولية.
وفي ظل التحولات المتسارعة، تبرز أهمية تعزيز القدرة الوطنية على التعامل مع التحديات المحتملة، ولا سيما ما يتعلق بحماية الحدود، والتطورات في الضفة الغربية، ومخاطر التهجير، وانعكاسات الصراعات في دول الجوار على المصالح الاقتصادية والأمنية للمملكة.
كما تبرز ضرورة تعزيز التنسيق العربي والدولي لحماية الحقوق الفلسطينية، ومنع فرض ترتيبات إقليمية أحادية تتعارض مع المصالح الوطنية الأردنية، وتوسيع نطاق العمل الدبلوماسي بما يعزز قدرة المملكة على مواجهة التحديات دون الانجرار إلى صراعات مفتوحة.
تكشف التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط عن تباين بين مقاربات تقوم على توسيع نطاق السيطرة العسكرية وفرض الوقائع، وأخرى ترى أن الاستقرار المستدام يتطلب معالجة أسباب النزاعات واحترام سيادة الدول وحقوق شعوبها.
ويتمثل التحدي الأساسي في منع تحول الأزمات المتلاحقة إلى واقع إقليمي دائم، بحيث لا تصبح القوة بديلًا عن الشرعية، أو التوسع بديلًا عن الأمن، أو الصراع بديلًا عن السلام.
وفي هذا المشهد، يرتبط أمن الأردن باستقرار محيطه الإقليمي، وتستند حماية مصالحه الوطنية إلى قوة الدولة وفاعلية الدبلوماسية والتمسك بثوابته الاستراتيجية.