من صكوك أمانة عمّان إلى اقتصاد إنتاجي: هل حان وقت تحويل الدين من عبء مالي إلى رافعة للتنمية؟
أ.د. محمد الفرجات
12-10-2026 11:23 AM
قد لا تكون الأهمية الحقيقية لقرار إصدار صكوك تمويل إسلامية لصالح أمانة عمّان الكبرى محصورة في حجم التمويل، أو في الوفر المتوقع من كلفته، بل فيما يمكن أن يفتحه من أفق جديد أمام إدارة الدين في الأردن، إذا انتقلنا من استخدام الأدوات المالية لتخفيف الأعباء القائمة إلى توظيفها ضمن رؤية اقتصادية أوسع، تجعل رأس المال والأصول الوطنية والاستثمار والإنتاج حلقات متكاملة في منظومة تنموية واحدة.
فقد وافق مجلس الوزراء، في 11 تشرين الأول 2026، على إصدار صكوك تمويل إسلامي بقيمة 400 مليون دينار لصالح أمانة عمّان، بصيغة الإجارة المنتهية بالتمليك، بعائد سنوي يبلغ 5.5% ولمدة خمس سنوات. ووفق التفاصيل التي نشرتها وكالة الأنباء الأردنية «بترا»، يُتوقع أن تخفض العملية كلف التمويل بنحو 70 مليون دينار خلال السنوات الخمس الأولى، وقد يصل الوفر إلى 140 مليون دينار إذا مُدّدت الصكوك خمس سنوات إضافية، وفق الفرضيات المالية ذاتها.
وهذا تطور يستحق التوقف عنده؛ فالدين ليس مجرد مبلغغ في دفاتر الحسابات، بل هو أيضاً كلفة سنوية تستنزف جزءاً من الموارد التي كان يمكن توجيهها إلى الخدمات والبنية التحتية والاستثمار. وكلما نجحت المؤسسات في تخفيض كلفة التمويل من دون الإخلال بالتزاماتها، اتسعت قدرتها على إدارة مواردها وتحديد أولوياتها.
لكن السؤال الاقتصادي الأهم لا يتوقف عند: كم سنوفر من كلفة الدين؟ بل يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف يمكن أن نستثمر هذا التوفير، ونطوّر أدوات إدارة الدين، بحيث تتحول المعالجة المالية إلى بداية لمسار إنتاجي يولّد دخلاً وفرص عمل وقيمة مضافة للاقتصاد الوطني؟
من إدارة الدين إلى إعادة هندسة الاقتصاد
كنت قد طرحت منذ عامين وجددت الطرح في مقال قبل أشهر مبادرة وطنية تنموية بعنوان «من مديونية الحكومة للضمان إلى أكبر فرصة اقتصادية في تاريخ المملكة» وهو تصور يقوم على التعامل مع الدين باعتباره مدخلاً محتملاً لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة ورأس المال والأصول والاستثمار، بدلاً من حصره في البحث عن مصادر جديدة للسداد أو إعادة جدولة الالتزامات القائمة.
وتقوم الفكرة على مسارات متكاملة، تشمل دراسة مبادلة جزء من الدين بأصول وحقوق اقتصادية قابلة للتقييم، واستخدام أدوات مالية داخلية قابلة للتداول، وفتح المجال أمام استثمارات إنتاجية مجدية يشارك فيها صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي والقطاع الخاص والمستثمرون الأردنيون والأجانب، ضمن أطر قانونية ورقابية تحمي المال العام وأموال المؤمن عليهم.
ولا يعني هذا التصور إسقاط الدين، أو تحويل أموال الضمان إلى مورد لتمويل العجز الحكومي، أو توزيع أصول الدولة مقابل التزاماتها من دون تقييم عادل. المقصود هو البحث عن حلول مالية واستثمارية مدروسة، تحافظ على الحقوق والقيم الاقتصادية، وتزيد قدرة الاقتصاد على توليد التدفقات النقدية اللازمة لخدمة الدين.
ومن هنا، فإن تجربة صكوك أمانة عمّان تتقاطع مع أحد المسارات التي طرحتها، وهو تنويع أدوات التمويل وإعادة هندسة كلف الدين. لكنها لا تمثل، في حد ذاتها، تطبيقاً كاملاً للنموذج الأوسع الذي أدعو إلى دراسته؛ فهناك فرق بين استبدال تمويل بآخر أقل كلفة، وبين بناء منظومة استثمارية تجعل الدين جزءاً من تحول اقتصادي منتج.
الصكوك ليست غاية بحد ذاتها
تكتسب الصكوك أهميتها من طبيعة هيكلها القانوني والمالي، والأصول أو المنافع التي تستند إليها، وشروط الإصدار، وقدرة الجهة المستفيدة على الوفاء بالتزاماتها. وهي ليست أموالاً مجانية، ولا تعني اختفاء الدين بمجرد تغيير الأداة المستخدمة في تمويله.
وفي حالة أمانة عمّان، يستهدف الإصدار البنوك وشركات التأمين وصناديق الادخار والاستثمار والتقاعد، ومن المقرر أن تكون الصكوك قابلة للتداول في بورصة عمّان وفق الشروط والأحكام المعتمدة. وبذلك تتاح للمستثمرين أداة مالية جديدة، فيما تسعى الأمانة إلى تخفيض كلفة تمويل مشاريعها والتزاماتها.٥
غير أن القيمة التنموية الأكبر ستتحقق عندما تقترن كفاءة التمويل بكفاءة الإنفاق والاستثمار. فما فائدة تخفيض كلفة الاقتراض إذا لم تتحسن إنتاجية المشاريع؟ وما قيمة توفير عشرات الملايين إذا لم تُستخدم الموارد المتاحة بطريقة ترفع جودة الخدمات، أو توسّع القاعدة الاقتصادية، أو تفتح فرصاً جديدة للعمل والإنتاج؟
المعيار الحقيقي ليس حجم الصكوك المصدرة وحده، بل مقدار الوفر الصافي الذي تحققه، وجودة استخدام الأموال، والعائد الاقتصادي والاجتماعي الناتج عنها.
الضمان الاجتماعي: من دائن كبير إلى شريك محتمل في النمو
إذا كان إصدار صكوك أمانة عمّان يقدم مثالاً على إمكانية إعادة تنظيم التمويل، فإن مديونية الحكومة للضمان الاجتماعي تفتح باباً لنقاش أكبر، بالنظر إلى حجم العلاقة المالية بين الطرفين، وإلى ما يمتلكه صندوق استثمار أموال الضمان من محفظة استثمارية وخبرة مؤسسية.
فالحكومة مدينة للضمان، والضمان يدير مدخرات تأمينية تعود حقوقها إلى المشتركين والمتقاعدين. وهذه العلاقة تفرض مسؤولية مضاعفة: الحفاظ على حقوق المؤمن عليهم، وفي الوقت نفسه دراسة السبل التي يمكن أن تجعل الاقتصاد أكثر قدرة على الوفاء بالتزاماته.
ومن هنا، أقترح أن تُدرس، ضمن إطار تشريعي ورقابي واضح، إمكانية بناء منظومة متكاملة لا تقتصر على معالجة الدين القائم، بل تربطها بمشاريع وطنية ذات جدوى اقتصادية وتدفقات نقدية قابلة للقياس.
يمكن أن تشمل الدراسة أدوات مالية محددة الآجال والعوائد، وصكوكاً قابلة للتداول، ومشاريع استثمارية مستقلة، وحقوق تطوير واستثمار في أصول حكومية مناسبة، على أن يخضع كل مسار لتقييم مستقل ودراسة مخاطر وعائد، وألا يُفرض على الضمان تمويل مشاريع غير مجدية أو تحمّل أعباء لا تتناسب مع مصالحه الاستثمارية.
والأهم أن مبادلة الدين بأصل أو حق استثماري ليست مجرد عملية محاسبية؛ فلا بد من تحديد القيمة العادلة للأصل، والعائد المتوقع منه، وكلفة تطويره، ومخاطره، وسيولته، وأثر المبادلة في قدرة الضمان على الوفاء بالتزاماته المستقبلية.
الأرض والماء والطاقة والموارد: أصول ينبغي أن تنتج قيمة
يمتلك الأردن فرصاً يمكن توظيفها في بناء اقتصاد أكثر إنتاجية، من خلال مشاريع المياه والطاقة المتجددة والتعدين والصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية والمناطق التنموية.
لكن وجود الأرض أو المورد الطبيعي لا يعني تلقائياً وجود ثروة اقتصادية. الثروة تبدأ عندما تتوافر حقوق واضحة، ودراسة جدوى واقعية، وتمويل مناسب، وإدارة كفؤة، وسوق قادر على استيعاب الإنتاج.
فالأرض الحكومية المناسبة يمكن أن تدخل، وفق القانون، في شركة مشروع أو شراكة استثمارية، من دون ضرورة بيعها. ويمكن أن تتكامل مساهمة الدولة بالأرض أو البنية التحتية مع رأس المال والخبرة والإدارة التي يقدمها المستثمرون، على أن تكون حقوق كل طرف وعوائده والتزاماته محددة بوضوح.
وبالمثل، يمكن دراسة مشاريع إنتاج الطاقة، ومعالجة المياه وإعادة استخدامها، والتعدين والصناعات التحويلية، بحيث لا يقتصر العائد على إنشاء المنشأة، بل يمتد إلى الإنتاج والتشغيل والتصنيع المحلي والتصدير.
هنا يصبح الأصل الوطني جزءاً من منظومة توليد الدخل، لا مجرد قيمة ساكنة في الميزانية.
من المشاريع الكبرى إلى القرى الإنتاجية الذكية مناخياً
لا ينبغي أن تنحصر هذه الرؤية في العاصمة أو في عدد محدود من المشاريع الضخمة. فالمحافظات والبلديات والمناطق الريفية تمتلك فرصاً يمكن تحويلها إلى أنشطة اقتصادية متخصصة، وفق ميزاتها الطبيعية والبشرية والجغرافية.
وفي هذا السياق، أستمر بطرح مشروع القرى الإنتاجية الذكية مناخياً، بوصفه أحد المسارات الممكنة لربط الاستثمار الوطني بالاقتصاد المحلي. فكل منطقة تستطيع تطوير أنشطة تتناسب مع مواردها وقدراتها، سواء في الزراعة المحمية، أو التمور والزيتون والأعشاب الطبية، أو الصناعات الغذائية، أو الثروة الحيوانية، أو السياحة البيئية والريفية والجيولوجية، أو الخدمات الرقمية والصناعات الخفيفة.
ولا يقتصر الأمر على الإنتاج الأولي؛ بل يشمل التصنيع والتعبئة والتخزين والتبريد والتسويق والتصدير، مع توظيف الطاقة المتجددة والري الذكي وحصاد مياه الأمطار، واستخدام المياه المعالجة حيثما كان ذلك آمناً ومناسباً.
وبذلك تتشكل سلاسل إنتاج محلية توفر فرص عمل، وترفع القيمة المضافة، وتفتح المجال أمام المشاريع الصغيرة والمتوسطة للارتباط بأسواق أوسع.
إن ربط التمويل المؤسسي بمشاريع من هذا النوع، بعد إثبات جدواها، قد يتيح توزيعاً أوسع لثمار التنمية، بدلاً من تركّز الاستثمارات والفرص في مناطق محدودة.
كيف تتحول الفكرة إلى برنامج قابل للتنفيذ؟
لا أدعو إلى نقل مديونية الحكومة إلى أصول الدولة بصورة عشوائية، ولا إلى توجيه أموال الضمان إلى مشاريع وطنية لمجرد أنها تحمل صفة وطنية. بل أقترح البدء ببرنامج تجريبي محدود، تُحدّد له أهداف مالية وإنتاجية قابلة للقياس.
تبدأ الخطوة الأولى بحصر الالتزامات والأصول والحقوق التي يمكن دراستها، ثم تقييمها بصورة مستقلة، وتحديد الأدوات المالية المناسبة لكل حالة. وبعد ذلك تُختار مجموعة من المشاريع التي تتمتع بجدوى اقتصادية واضحة، وتُحدد مصادر تمويلها، ومخاطرها، وتدفقاتها النقدية، والجهات المسؤولة عن تنفيذها وتشغيلها.
ويجب أن تكون هناك حوكمة صارمة، وإفصاح عن العقود والالتزامات، وتدقيق مستقل، ومنافسة عادلة، وفصل واضح بين أموال الضمان والإنفاق الحكومي، مع حماية القرار الاستثماري من الضغوط السياسية والإدارية.
كما ينبغي قياس النتائج وفق مؤشرات محددة: حجم الاستثمار الخاص الذي جرى استقطابه، والوظائف المستدامة التي أُنشئت، والإنتاج المحلي، والصادرات، وإحلال الواردات حيثما كان مجدياً، والعائد على الاستثمار، والقدرة على الوفاء بالالتزامات المالية.
بعد ذلك يمكن تقييم التجربة وتوسيعها أو تعديلها وفق نتائجها الفعلية، لا وفق التوقعات وحدها.
الفرصة الحقيقية: اقتصاد يولّد القدرة على السداد
إن تجربة صكوك أمانة عمّان تفتح نقاشاً مهماً حول تطوير أدوات إدارة الدين في الأردن. لكنها تذكّرنا أيضاً بأن الأدوات المالية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها معالجة التحديات الاقتصادية إذا لم تقترن بإنتاجية أعلى واستثمارات مجدية وإدارة رشيدة للموارد.
فالأردن بحاجة إلى الانتقال من سؤال: كيف نوفّر الأموال لسداد الدين؟ إلى سؤال موازٍ لا يقل أهمية: كيف نبني اقتصاداً يولّد مزيداً من الدخل، ويخلق وظائف، ويرفع الصادرات، ويوسع القاعدة الإنتاجية، ويزيد قدرة الدولة ومؤسساتها على الوفاء بالتزاماتها؟
هذا هو جوهر الفكرة التي طرحتها بشأن مديونية الحكومة للضمان الاجتماعي، والتي يمكن تطويرها لتشمل أدوات التمويل الإسلامي وغيرها من الأدوات المالية المتاحة، من دون الخلط بين إعادة التمويل ومبادلة الدين بالأصول، أو بين الاستثمار المنتج وتمويل الإنفاق الجاري.
فالغاية ليست تجميل أرقام الدين أو نقلها من خانة إلى أخرى، بل تحسين العلاقة بين التمويل والاستثمار والإنتاج.
وعندما تتكامل أدوات التمويل مع الأصول الوطنية، ورأس المال المؤسسي، وخبرة القطاع الخاص، والموارد البشرية، والمشاريع الإنتاجية في المحافظات، يصبح بالإمكان بناء مسار تنموي أكثر قدرة على الاستمرار.
إن الفرصة ليست في الدين نفسه، بل في قدرتنا على إدارة الدين بذكاء، وتوظيف الأصول بكفاءة، وتوجيه رأس المال نحو إنتاج قيمة اقتصادية حقيقية.
وهنا يمكن أن تتحول إدارة الدين من عملية مالية هدفها تخفيف الكلفة، إلى جزء من سياسة اقتصادية أوسع، تنقل الأردن تدريجياً من اقتصاد يتحمل أعباء التمويل إلى اقتصاد يعزز قدرته على توليد الدخل وسداد التزاماته وتمويل تنميته.