الكتابة بخط اليد في عصر الذكاء الاصطناعي
د. علي عبدالسلام المحارمة
19-10-2026 10:49 AM
أحافظ على علاقتي الطيبة وشغفي بمقتنيات مكتبتي الورقية وبأقلامي ودفاتري على الرغم من الكم الهائل من الأدوات البديلة الأكثر دقة وراحة منها.
وأطبّق هذا التوجه -الاستبدادي-على طلبتي والمشاركين معي في البرامج التدريبية المختلفة، وذلك ليس انتقاصاً من قيمة وأهمية التواصل مع التقنيات والأدوات الحديثة التي أصبحت ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، ولكنني أفعل ذلك للأسباب التالية:
1- أن الذكاء الاصطناعي أصبح يوفر لنا الإجابات والأبحاث والملخصات والإحاطات بكبسة زر واحدة، وهنا أصبحنا ننفصل شيئاً فشيئا عن محتويات العلم والمعرفة نفسها، وفي كثير من الأحيان نستخرج ونولّد النصوص دون أن نقرأها...
إن دعوتي لاستخدام الكتابة بخط اليد لا تتضمن إطلاقاً تقييد الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في توفير العلم والمعرفة، فهي قطعاً أسهل وأسرع وأدق من أي باحث مبدع، لكن دعوتي هي للحفاظ على التواصل بين الباحث والمعلومات التي يبحث في ثناياها عن إجابات لتساؤلاته البحثية، والكتابة بخط اليد ترسّخ المعلومات أكثر.
2- أن الأوراق البحثية التي تعتمد على أدوات الذكاء الصناعي لا تنتج محللين ومفكرين بل فقط تطوّر مهارات الوصول لتحليلات رقمية، وهنا وعلى المدى البعيد تضمحل مهارات وقدرات الانسان وتنسحب لصالح مهارة واحدة هي مهارة التواصل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، ولذلك أجد أن البحث الذي يعتمد على توفير مراجع ومصادر عبر الذكاء الإصطناعي وتحليل انساني عميق يجسّد الموائمة الفضلى بين الإنسان والتقنيات.
3- في كثير من الحالات لاحظتُ وجود تراجع كبير بجودة وجمالية الخطوط لدرجة أن بعض النصوص المكتوبة بخط اليد يجد صاحبها نفسه صعوبة في إعادة قرائتها بعد حين، هذا ونحن لا زلنا في بواكير هذا العصر.
4- البحث الجيّد ليس الأكثر أوراقاً بالضرورة، لذا كنت أفضّل بحثاً مكتوبا بخط اليد من أربعة صفحات على بحث مطبوع من أربعين، وذلك ليقيني أن الباحث الذكي كتب الأربعة قد فهم أو علِم نسبة منها أكثر من ذو الأربعين...
ناهيك عن تحسين اللغة -العربية والانجليزية معاً- لدى من يكتب بخط يده عمن يكتفي بالأدوات الرقمية، وكذا الحد من منهجية القص واللصق التي تنتشر كالنار في الهشيم في كافة الأوساط التعليمية والوظيفية.
ورغم ذلك كله فأتا أدرك جيّداً بأن طباعة النصوص الطويلة والأبحاث الكبيرة أفضل من خط اليد وذلك لعدة أسباب أهمها إمكانية فحص نسبة الاقتباس.
وبالنتيجة، فإن الصورة المثالية هي الاستفادة من التقنيات والأدوات الحديثة دون التسبب في تراجع واضمحلال القدرات والمهارات البشرية الطبيعية.