facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إضاءة على رواية "الشيب الأزرق" لركان اللطافنة


12-10-2026 11:36 AM

عمون - قراءة حسن جلنبو - "الشيب الأزرق" رواية تتجاوز فكرة سرد دورة حياة عائلة عبر عدّة أجيال، لتتعمّق في طيّات النفس الإنسانية، يتحول فيها القلق إلى إرث ثقيل يتوارثه الأبناء، وكأنه قدر مكتوب على السلالة كاملةً، ومن خلال هذا الإرث النفسي الملتبس، يفتح الكاتب أبواباً واسعة للتأمل في أسئلة الهوية والانتماء والحرية، وفي قدرة الإنسان على الإفلات من ماضيه أو التصالح مع جراحه.

تنطلق الرواية من خصوصية المكان الأردني، وتحديداً مدينة السلط التي تظهر هنا بوصفها شخصية حيّة تنبض بالذاكرة والحضور، أكثر منها مسرحًا جغرافيًّا لأحداث الرواية، فالمدينة بأدراجها وبيوتها وأزقتها القديمة تتحول إلى مستودع للحنين والألم معاً، وإلى مرآة تعكس تحولات الشخصيات وتقلب مصائرها. ومن السلط إلى المنافي البعيدة، مروراً بمحطات عربية وعالمية متعددة، يرسم النص صورة إنسان معلّق بين مكانين: غادر أحدَهما، ولم يستطع أن ينتمي إلى الآخر بالكامل.

تجمع الرواية بين السرد العائلي والتاريخ الاجتماعي والسياسي، فالشخصيات لا تتحرك في فراغ، إنّما تتشكل تحت ضغط التحوّلات الكبرى التي عصفت بالمنطقة؛ من الهجرة والنزوح، إلى الصراعات الفكرية والأيديولوجية، مروراً بتبدُّل القيم وأنماط التدين والسياسة. وهكذا تتحول مصائر الأفراد إلى جزء من سيرة جماعية أوسع، تتقاطع فيها الهزائم الشخصية مع خيبات التاريخ.

على المستوى الفني، يقدّم الكاتب لغة قادرة على التقاط التفاصيل الحسِّية للمكان والانفعالات الخفيّة للشخصيات، ولعلّ تسمية الرواية بـ"الشيب الأزرق" إشارة واضحة إلى توظيف المروث الشعبي لتكثيف الدلالات النفسية والوجودية التي يحملها هذا العمل، كذلك، يعزز البناء السردي المتعدد الأجيال فكرة التكرار والدوران، بحيث تبدو الشخصيات وكأنها تعيش صراعاً دائماً مع أخطاء الماضي وأشباحه.

ولا تخلو الرواية من مواطن جدل نقدي تستحق التوقف عندها، فالإفراط أحياناً في تكديس المآسي، والاعتماد على المصادفات أو التحوّلات الحادّة في توجُّه بعض الشخصيات، قد يدفع بعض القراء إلى التساؤل حول حدود الواقعية في النص، كما أنّ حضور فكرة "اللعنة الموروثة" باعتبارها مفتاحا رئيسيا لتفسير الكثير من التحولات التي شهدتْها بعض الشخصيات في الرواية قد يبدو طاغياً على مساحة الإرادة الحرّة لدى الشخصيات. غير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الفنية للعمل بقدر ما تفتح باباً لقراءات متعددة، تتراوح بين الواقعي والرمزي.

لقد نجحت رواية "الشيب الأزرق" في تحويل سيرة عائلة واحدة إلى تأمُّل إنساني واسع في القلق والاغتراب والخسارة، وفي ذلك الشعور العميق الذي يلازم الإنسان وهو يحاول عبور حياته مثقلاً بما ورثه من أحلام وآلام وأسئلة لم يجد لها جواباً. فهي حالة من البحث الدائم عن الخلاص: خلاص الفرد من ماضيه، وخلاص الأبناء من أعباء الآباء، وخلاص الإنسان من القلق القديم الذي يطارده أينما ذهب.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :