التلفزيون الأردني .. حين تتحول الإدارة إلى رؤية والعمل إلى إنجاز
م. خلدون عتمة
12-10-2026 12:14 PM
ليس من الإنصاف أن نرفع أصواتنا بالنقد حين تتراجع مؤسساتنا الوطنية، ثم نلتزم الصمت حين نشهد فيها تحولات إيجابية تستحق التقدير. فالإشادة بالإنجاز ليست مجاملة لأحد، وإنما مسؤولية أخلاقية ووطنية تقتضي أن نمنح الجهد المخلص حقه من الاعتراف، وأن نشجع كل خطوة تسهم في تطوير مؤسسات الدولة وتعزيز حضورها.لذلك فربما اكتب اليوم وفق موقف إيجابي ولا يعني هذا موقف دائم فعند التقصير أو نشاهد أداء مختلف سأكون أو الناقدين.
خلال الأشهر الماضية، لاحظنا تحسنًا نوعيًا وملموسًا في طبيعة المحتوى البرامجي الذي يقدمه التلفزيون الأردني، سواء من حيث تنوع الموضوعات، أو مستوى المعالجة، أو الانفتاح على أفكار وبرامج أكثر ارتباطًا باهتمامات المشاهد الأردني. وهي مؤشرات تستحق التوقف عندها، خصوصًا في مؤسسة وطنية عريقة تحمل إرثًا إعلاميًا وثقافيًا كبيرًا.
ولعل من أبرز الخطوات التي تسترعي الانتباه إعادة تفعيل مديرية الإنتاج، ومديرية المحتوى والابداع بما يعيد للمؤسسة دورها الأصيل في صناعة المحتوى وتنفيذ حزمة من البرامج والأعمال التلفزيونية، وعدم الاكتفاء بالاعتماد على شراء الإنتاج الجاهز من الخارج. فالتلفزيون الوطني لا يجوز أن يتحول إلى مجرد نافذة لعرض ما ينتجه الآخرون، وإنما ينبغي أن يظل بيتًا للإبداع والإنتاج والتطوير، وحاضنة للكفاءات الأردنية القادرة على تقديم محتوى يليق بتاريخ المؤسسة ورسالتها.
وما يستحق الاهتمام أيضًا التوجه نحو إعادة النظر الجدية في ملف الدراما الأردنية، وفق رؤية واضحة وشفافة تستند إلى معايير مهنية وفنية وإنتاجية عادلة. فالدراما ليست ترفًا ثقافيًا أو مجرد ساعات للبث، بل صناعة وطنية متكاملة، ورافعة اقتصادية وثقافية تسهم في توفير فرص العمل، وتنشيط الحركة الفنية، وتقديم صورة الأردن وقصص أبنائه إلى المشاهد العربي.
ومن المؤشرات المهمة كذلك الالتفات إلى ضرورة تفعيل مصادر الموارد المالية للمؤسسة، وفي مقدمتها الرعايات والإعلانات والشراكات مع القطاع الخاص. ذلك أن المؤسسات الإعلامية الحديثة لا تستطيع تطوير أدواتها ومحتواها بالاعتماد على المخصصات التقليدية وحدها، وإنما تحتاج إلى إدارة تمتلك القدرة على ابتكار فرص التمويل واستقطاب الشركاء، دون المساس باستقلالية الرسالة الإعلامية أو طبيعتها الوطنية.
وبصراحة، لم أستغرب هذه التحولات. فمن خلال انخراطي الطويل في العمل الثقافي والإعلامي، وتحملي مسؤوليات في إدارة مؤسسات وهيئات ثقافية على مدى سنوات، أدركت أن التطوير الحقيقي لا يبدأ بالقرارات المكتبية وحدها، بل يبدأ من عقلية المسؤول الذي يؤمن بأن الإدارة فعل يومي، وأن القيادة ليست موقعًا وظيفيًا، وإنما حضور ومتابعة ومبادرة وقدرة على تحويل الأفكار إلى نتائج.
وقد تعززت لدي هذه القناعة حين نقل إليّ صديق مقرب أن مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، عطوفة الأستاذ مهند الصفدي، يقوم شخصيًا بزيارات ميدانية إلى عدد من الوزارات والمؤسسات الوطنية وكبرى الشركات، بهدف تسويق مشاريع المؤسسة، وبناء الشراكات، واستقطاب الرعايات ومصادر التمويل.
وإن صحت هذه الصورة التي نقلها لي، فإنها تعكس مفهومًا إداريًا جديرًا بالتقدير؛ فالمسؤول الذي يغادر مكتبه باحثًا عن فرص لمؤسسته، ويطرق أبواب الشراكة والتمويل، يدرك أن تطوير العمل العام يتطلب المبادرة، وأن الموارد لا تأتي دائمًا إلى المؤسسات، بل على إداراتها أن تسعى إليها برؤية وثقة وإصرار.
إن التلفزيون الأردني ليس مؤسسة إعلامية عابرة، بل جزء أصيل من الذاكرة الوطنية، ومنبر رافق الدولة الأردنية في مراحل تطورها، وأسهم في تشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي لأجيال متعاقبة. ولذلك فإن أي جهد يستهدف استعادة مكانته وتطوير رسالته ينبغي أن يحظى بالدعم والتشجيع، بعيدًا عن الحسابات الشخصية والمواقف المسبقة.
ولا يعني هذا أن الطريق أصبح مكتملًا، أو أن التحديات قد انتهت، فما زالت أمام المؤسسة ملفات تحتاج إلى عمل متواصل، وفي مقدمتها تطوير الدراما الوطنية، واستقطاب الطاقات الإبداعية، وتعزيز الإنتاج الداخلي، وتوسيع قاعدة التمويل، وتحقيق المنافسة في فضاء إعلامي عربي يشهد تحولات متسارعة.
لكن الفرق كبير بين مؤسسة تنتظر الحلول، ومؤسسة تتحرك للبحث عنها، وبين إدارة تكتفي بتسيير الأعمال، وإدارة تحاول أن تصنع فرصًا جديدة للمستقبل.
*إننا لا نحتاج إلى مسؤولين يتحدثون كثيرًا عن التطوير، بقدر حاجتنا إلى مسؤولين يجعلون من التطوير ممارسة يومية، ومن الإنجاز لغةً تتحدث عن نفسها.*
ولهذا، فإن ما نشهده من خطوات إيجابية في التلفزيون الأردني يستحق التشجيع، كما يستحق أن يتحول إلى نهج مؤسسي مستدام، لا يرتبط بالأشخاص بقدر ما يرتبط بثقافة العمل والإنجاز والمساءلة.
وفي الختام، تبقى كلمة لا بد منها: حين نجد مسؤولًا يحترم المبادرات، وينحاز إلى أصحاب الأفكار والمشاريع، ويؤمن بأن المؤسسة الوطنية تستمد قوتها من أبنائها وكفاءاتها، فإن من واجبنا أن نقول له: سر على هذا الطريق، فالأردن يستحق، وتلفزيون الوطن يستحق.
فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب الذي يجلس فيه المسؤول، بل بحجم الأثر الذي يتركه حين يغادره إلى ميادين العمل.